وصيّة سيدي جمال الروحية
المحتويات

حرّرت بالزاوية الأمّ بمداغ في 5 ديسمبر 2024، تعيّن هذه الوصيّةُ من سيدي جمال رسميّاً ابنَه سيدي منير وريثاً للأمانة الروحية للطريق. والنصّ الآتي تعريبٌ عن الترجمة الفرنسية المنشورة ؛ فالأصل العربي المكتوب محفوظٌ بالزاوية الأمّ بمداغ ولم يُنشَر نصّاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
الطريقة القادرية البودشيشية : وصيّةٌ وإرادة.
بسم الله الرحمن الرحيم.
واللهمّ صلِّ على سيّدنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، السرِّ النفّاذ والنورِ الذاتيِّ الحاضرِ في جميع الأسماء والصفات ؛ وسلّم بأصناف كمالاتك في جميع تجلّياتك على أوّل الأنوار المتدفّقة من بحر جلال الذات، المتحقّقِ في عالم المحسوسات والأبعاد الغيبية ؛ فهو صلّى الله عليه وسلّم الأوّلُ الحامدُ العابدُ بجميع أنواع العبادات والتقرّبات، الرازقُ المُغيثُ في عالم الأرواح لجميع الكائنات ؛ وعلى آله وصحبه، صلاةً يُرفَع بها عنّا حجابُ وجهك الكريم، وتُعرَّفنا بها نفسَك وإيّاه في كلّ المقامات. وآتنا لطائفَ رعايتك الحانية يا ربّنا بمنزلتك الكريمة في جميع الأحوال والمظاهر.
الحمد لله الذي أكرمنا كرامةً بسلسلة مشايخٍ حملوا رسالةَ الدعوة إلى الله، وأدّوها إلينا بصفاء القلوب ونقاء الأرواح.
الوصيّة للمريدين
أبنائي وأحفادي، الشرفاء رجالاً ونساءً، مريدي طريقتنا المباركة :
لعلّ خيرَ ما تُفتَتح به هذه الوصيّةُ ما نبع ببيانٍ عن لسان الحضرة المحمّدية صلّى الله عليه وسلّم، الصادر عن أنوار الحقائق الإلهية، وعن أصحابه الذين كانوا مرايا تعكس صفاءَ التجلّيات الربّانية، هم الذين اصطفاهم الله لصحبة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فجعلهم مصابيحَ هدىً في ليل الغفلة وأركانَ يقينٍ في بحر الحيرة. وهو القائل : « أوصيكم بأصحابي، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم. وعليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ. من أراد بُحبوحةَ الجنّة فليلزمِ الجماعةَ. من سرّته حسنتُه وساءته سيّئتُه فذلكم المؤمنُ » (صحيح، رواه الترمذي).
فمن تلك الفيضات والأنوار الإلهية نقدّم إليكم هذه النصيحةَ، مستمدّين البركةَ من أبنية العبارات المحمّدية ومعانيها، خدمةً لمقام نور المصطفى صلّى الله عليه وسلّم الذي يضيء قلوبَ السالكين في مراتب الطريق الروحي. ونسأل اللهَ عزّ وجلّ أن يرزقنا جميعاً بركاتها، وأن يعدّنا ممّن يتحقّقون بمعانيها ويقومون على حقائقها، وألّا يحرمنا أسرارَها الإلهيةَ المباشرةَ وجَواريَها المقدّسة.
أبنائي وأحفادي، الشرفاء رجالاً ونساءً، مريدي طريقتنا المباركة :
تأمّلوا، رضي الله عنكم، معانيَ هذه النصيحة بعين البصيرة الروحية، فليست مجرّدَ عباراتٍ تُتلى، بل نفحاتٌ من الحضرة القدسية لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد. وهي دعوةٌ إلى السير على المنهج المحمّدي الأصيل والتمسّك بحبل المحبّة الإلهية ؛ ففيها إشاراتٌ لأهل الذوق ممّن رقوا درجاتَ المعرفة، ولمحاتٌ لمن سلكوا طريقَ الفناء في المحبّة حتى صاروا هم أنفسُهم أسراراً في كيانهم، تحقيقاً لقوله تعالى : ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة : 131). فاعملوا، رضي الله عنكم، بمضمونها وذوقوا حلاوتَها، فاتّباعُها حجّةٌ للطالبين ونجاةٌ للحائرين ومحبّةٌ تشعل أرواحَ الظمّاء إلى الحقّ. من تمسّك بها هُدي إلى رياض القرب السماوية، ومن تأمّلها بفهمٍ صادقٍ صحيحٍ وجد نفسَه فانياً في فيض النور الخالص، يرتشف من بحار الإحسان والجود التي لا تنفد. هذه الوصيّةُ منّا إلى مريدينا الكرام، وشهادةٌ نكتبها حاملين أمانةً عظيمةً من حضرة الحقّ، راجين في الله العزيز أن نكون أوفياءَ بعهد الله ورسوله، وبالمحبّة الصادقة التي حلّيتمونا بها، مؤدّين ما يجب علينا من مسؤوليةٍ أمام الله ؛ وما صدرت هذه الرسالةُ إلّا عن إذنٍ إلهيٍّ من الحضرة النورانية، فقد أكرمنا اللهُ بسرّ الاسم المفرد، سرٍّ من أسرار الفناء في الله والوجود بحضرته، وأمرنا أن نصدع بهذا الأمر هادينَ خلقَه إلى طريق الحقّ والرشاد، واثقين بوعده بالنصر والتمكين وبظهور هذا الحقّ في المشرق والمغرب.
توارثٌ متّصل
هذه الوصيّةُ صدى الوصيّة التي أقامتها الشجرةُ الظليلة التي نستظلّ بفيئها، شجرةِ الاجتماع على ذكر الله، التي رُسِّخت جذورُها في تربة الطريقة القادرية البودشيشية على يد مشايخنا الكرام. فقد توارثتها الأجيالُ نقلاً متّصلاً من سيدي أبي مدين بن المنّور إلى سيدي الحاجّ العباس، ثم إلى شيخنا ووالدنا سيدي حمزة بن العباس، قدّس الله أسرارَهم أجمعين.
وبعد انتقال والدنا إلى جوار ربّه، حملتُ هذه الأمانةَ، وهي رسالةُ الدعوة إلى الله بالحال والمقال، وطهارةِ النفس، والحكمةِ في التوجيه والتدبير، سائراً على خطى أسلافنا ومنهجهم، حافظاً لهذا الإرث الروحي القائم على الكتاب والسنّة. واليومَ نجدّد هذه الرسالةَ : رسالةَ الرفق بالخلق لتقريبهم من الله بما يملأ القلوبَ سكينةً. والحمد لله، نرى اليومَ زاويتَنا القادرية البودشيشية وذِكرَها ينتشر في المعمورة، وإشعاعَها يمتدّ، وعددَها وفيضَها الروحيَّ يتنامى يوماً بعد يوم، فتنمو نموّاً مشهوداً في العلم والعمل، بلوغاً إلى قلوبٍ متعطّشةٍ إلى الهداية. واستمرارُ هذه الطريق المباركة خيرُ شاهدٍ على ما أقامه مشايخُها جيلاً بعد جيل : سلسلةٌ ذهبيةٌ متّصلةُ النقلِ حتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
التسليم إلى سيدي منير
هو عهدٌ نجدّده اليومَ بالبشائر التي أتتنا من أهل الله. أبنائي وأحفادي، الشرفاء رجالاً ونساءً، مريدي طريقتنا المباركة : وأنا بدوري أُعلن لكم اليومَ أنّ هذا السرَّ الذي أُعطيتُه واستقرّ راسخاً في قلبي هو السرُّ نفسُه المُعطى الراسخُ في قلب ابني، البشيرِ الذي بشّر به عارفو الله، سيدي منير.
سرٌّ متّصلٌ لا ينقطع ؛ وكما قال لي والدي قبل وفاة جدّي سيدي الحاجّ العباس، قدّس الله أسرارَهم، حين سلّمني وصيّتَه قائلاً بالدارجة المغربية : « اللي عندي عندك ». اليومَ، أمام جميع الحاضرين، أقول وأشهد وأوصيكم مكرّراً العبارةَ نفسَها : « اللي عندي عند ولدي منير ». أمانةٌ عظيمةٌ يحملها بعدي بصدقٍ وإخلاص. قال الله تعالى : ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام : 124).
اللهمّ إنّي أُشهدُك وملائكتَك ورسلَك وأنبياءَك وأولياءَك أنّي أدّيتُ الأمانةَ وبلّغتُ أمرك وأودعتُ هذا السرَّ ابني البارّ مولاي منير من بعدي. فهو قمرٌ ساطعٌ في سماء الطريقة، بشرى آبائه صلحاءِ أولياءِ الله، وسراجٌ يُهتدى به للطالبين في مسالك النور. نورٌ من نور الحقّ، مَوصوفٌ بطهارةٍ كاملةٍ وإخلاصٍ مطلقٍ وصدقٍ تامّ. هادٍ للقلوب السالكة في الطريق، جامعٌ بين علم الشريعة وحقيقة المعرفة الإلهية، ثابتٌ في طلب الله، وارثُ سرِّ هذه الطريق المُودَع. فاللهمّ أنر قلبَه بالهداية والتثبيت، واحفظه من كلّ سوءٍ وضررٍ، وكُن له نصيراً وحافظاً، ليكون بطلاً منصوراً للحقّ، وسنداً لإخوته، وعموداً لكلّ الأقارب والشرفاء، وعيناً رحيمةً على السالكين إلى الله، ومفتاحَ خيرٍ ونفعٍ واستقامةٍ محوِّلة. فاقبلوه واحفوه وكونوا له لا عليه، أيّدوه وانصروه، وكونوا له حافظاً وناصراً في الدنيا والآخرة، يا ربّ العالمين يا أرحم الراحمين.
ويبقى هذا السرُّ الإلهيُّ، بسلسلته الصحيحة المتينة، في هذه الدار بإذن الله وقدرته حتى يرث الأرضَ ومن عليها، بمشيئته وقدره. قال الله في سورة الجمعة، الآية 4 : ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. صدق الله العظيم.
التوصيات الخاتمة
أبنائي وأحفادي، الشرفاء رجالاً ونساءً، مريدي طريقتنا المباركة : هذه وصيّتُنا لكم جميعاً : بادروا بتجديد البيعة لوارثنا الوحيد ومرشدنا المأذون، وقوّوا رابطةَ الإحسان بين قلوبكم ومولاي منير، إجلالاً لرابطته المتينة المبنيّة على كلمة التوحيد، الرافعةِ إياكم إلى مقام الفناء التامّ في الله والاتصال الدائم به. فهذه الرابطةُ هي الوصلةُ الجامعةُ بين الخلق والربّ، والمعينةُ على اجتياز سبل الجمال الباطن المفضية إلى سرّ القرب الإلهي.
تعلّقوا به رضي الله عنكم، وكونوا له سنداً وعوناً وحافظاً. اتحدوا وجدّدوا أواصرَ الأخوّة واجعلوا سيدي منير مركزَ صفوفكم الموحّدة. كونوا مصابيحَ هدىً ومناراتِ معرفةٍ تنشرون نورَ الحقّ وحكمةَ الطريق في كلّ ركنٍ من أركان الأرض وفي قلوب الناس، كما كان أسلافنا ينابيعَ نورٍ وإحسان. كونوا عاملين في كلّ ما ينبع من قلوبكم، حاملين ثمرةَ المحبّة مقوّين رابطةَ الإيمان. وعليكم بمراعاة روابط البيعة التي تربطكم بأمير المؤمنين، فطاعةُ العاهل ركيزةٌ أساسيةٌ في السلوك إلى الله وجزءٌ من الواجبات التي يجب أداؤها بصدقٍ ووجدان. فإجلالُ العهد لأمير المؤمنين سرٌّ مستكنٌّ في قلوب الأتقياء، يعين على ثبات الأمّة ورسوخها في طريق الهداية والأعمال الفاضلة. وندعوكم إلى الصدق في هذا العهد إلى يوم الدين.
من عمل بمقتضى هذه الوصية وحفظ العهدَ ولزمه فقد ضمن السلامةَ وهو على الوفاء باقٍ ؛ وعهدُ المحبّين لا ينتهي ولا ينقطع. ومن نقضه وخالفه فحسبُه الله، والطريقُ منه بريء. وهو نعم المولى ونعم النصير. قال الله تعالى : ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح : 10).
وأخيراً أوصيكم بطاعة ما أمر به الحقُّ جلّ جلاله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران : 103). صدق الله العظيم.
حرّرت بالزاوية الأمّ بمداغ، الخميس 3 جمادى الآخرة 1446هـ، الموافق 5 ديسمبر 2024م. التوقيع : مولاي جمال الدين القادري البودشيشي، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، أمدّه الله بفضله.


