تكريم سيدي جمال القادري بودشيش (2) : القرآن والسماع والمذاكرة
المحتويات

القرآن حضرةٌ حيّة
كان تعلّق سيدي جمال القادري بودشيش بالقرآن الكريم مطلقاً : لم يكن يقصده نصّاً مؤسِّساً فحسب، بل حضرةً حيّةً، ينبوعاً لا ينضب من الجمال والهداية والتحوّل الداخلي. وانتظمت حياتُه الروحية كلُّها حول هذا الكتاب الذي كان يتلوه بورعٍ، ويتأمّله بعمقٍ، ويتأمّل حتى صورَه الخطّية. فكانت ممارسةُ الخطّ عنده ذكراً بصريّاً حقّاً : كلُّ حرفٍ فيه مظهرٌ من مظاهر اسمٍ إلهيّ، وكلُّ سطرٍ انعكاسٌ لحقيقةٍ متعالية. ولخّص نظرتَه الهرمية الصوفية إلى القرآن هكذا :
« كلُّ الأسرار المودَعة في الكتب المنزّلة موجودةٌ في القرآن : الكتبُ التي أُعطيت سيّدنا موسى وسيّدنا عيسى. وكلُّ أسرار القرآن في الفاتحة. وللفاتحة قيمةٌ عظيمة. وكلُّ أسرار الفاتحة في البسملة : بسم الله الرحمن الرحيم. كلُّ الأسرار ! وكلُّ أسرار البسملة في الباء. وكلُّ أسرار الباء في النقطة، النقطةُ الموضوعة تحت الباء ».
وهذه النظرةُ تنضوي في نسل مشايخ التصوف : على مثال جنيد الذي عنده الصوفيُّ « من اتّخذ القرآنَ إماماً والنبيَّ قائداً »، وابن عربي الذي رأى في كلّ حرفٍ تجلّياً، كان سيدي جمال يعدّ القرآنَ لا موضوعَ درسٍ فحسب، بل رحمَ تحوّلٍ للكائن، دعوةً إلى استبطان حكمته إلى أعماق القلب.
السماع تربيةُ الروح
وكذلك كان حبُّه للسماع ضرباً من تربية الروح. وبعيداً عن أن يكون مجرّدَ متعةٍ جمالية، كان يعدّ الإصغاءَ إلى القصائد آلةَ تكوينٍ داخليٍّ قادرةً على إثارة الأحوال الروحية. كان يقول :
« كلامُ الأولياء يحمل معانيَ كثيرةً. وهو يقوم على المبنى، البنيةِ والتركيب، والمعنى، المضمونِ العميق، والمغنى، اللحنِ والإيقاع. وهو ينبع من الحضرة، من المصدر الإلهي. وكلامُ الأولياء ككلام الأنبياء، لأنّه يصدر عن الحضرة الإلهية ».
فالقرآنُ عند سيدي جمال كان الكلمةَ المنزّلة، رحمَ كلِّ توجيهٍ روحيٍّ وقانونَه، والسماعُ كان صداها الداخلي : كلمةً حيّةً قادرةً على إثارة الحقائق المطمورة في القلب. وبذلك لاقى ابنَ عربي الذي ذهب في « الفتوحات المكية » (باب السماع) إلى أنّ الاستماعَ الصوفيَّ يكشف « أحقَّ الأشياء »، إذ يرفع إلى الوعي ما تحمله الروحُ أصلاً من بصمةٍ إلهية. وهكذا لم يكن القرآنُ والسماعُ متعادَين بل متكاملين : الأوّلُ يوجّه الكائنَ ويرسمه، والثاني يوقظ بُعدَه الوجدانيَّ والوجودي، فيجتمعان على تطهير القلب وإيقاظ الأعماق الروحية. وكان سيدي جمال بارعاً في إقامة التطابقات بين اللغة الرمزية للشعر الصوفي والمنابع الأولى للإسلام : كان يستشهد ببيتٍ صوفيٍّ ثم يجلّيه بآيةٍ قرآنية أو قولٍ نبويّ، مظهراً وحدةَ الوحي والتراث الروحي والتجربة المعيشة للأولياء. ولمريديه، الشغوفين مثله بهذه الرنين الخفيّة، كان كلُّ تقريبٍ ينبوعَ فرحٍ داخليٍّ، أشبهَ بتركيب أحجيةٍ روحيةٍ كبرى تنتظم فيها علاماتُ الإلهيّ المبثوثة.
لا إكراه في الدين
امتازت تربيةُ سيدي جمال الروحية بوفاءٍ دقيقٍ للمبدأ القرآني في الحرية الروحية : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة : 256). وعلى مثال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كان يستقبل كلَّ كائنٍ على الحال التي هو فيها، لا يُكرِه ولا يفرض، بل يدعوه بلطفٍ إلى تحوّلٍ لا معنى له إلّا إن وُلد من رضًى باطنيّ. وكان هذا الاستقبالُ، البسيطَ إلى حدّ النزع، يجرّد الروحَ من أقنعتها ويضعها في عريٍ داخليٍّ يجعل تلقّي التعليم عملَ حرّيةٍ خالصة. وكانت تربيتُه تربيةَ شيخِ الكشف : بكلمةٍ لطيفةٍ كان يكشف ظلماتِ القلب، لا للّوم بل للإيقاظ، تاركاً لكلّ أحدٍ الحرّيةَ المقدّسةَ في أن يجيب أو يعرض. وبذلك لاقى جنيدَ الذي عنده « ما أُخذ بالإكراه لا يدوم »، وابنَ عطاء الله الذي قرّر أنّ « ثمارَ الاجتهاد لا تدوم إلّا إذا نبعت من قبولٍ داخليّ ». فكان لقاءُ سيدي جمال فضاءَ فضلٍ ترى فيه الروحُ، في سرّ اختيارها، دعوةً إلى أن تُولد من جديد.
المذاكرة حديثٌ في ذكر الله
قدّمت تربيةُ سيدي جمال الإرشادية تكويناً متكاملاً، يجمع الذكرَ بالمذاكرة، تلك المجالس التي كان يجتمع فيها الشيخُ والمريدون في ذكر الله. وكانت الكلمةُ عنده أكثرَ من خطابٍ دائماً : فيضاً متجذّراً في الحضرة، قادراً على إحياء القلب. كان يحبّ أن يذكّر :
« الحضرةَ الحضرةَ الكلمات. كلماتُ أهل الله غذاءُ القلوب. بها يحيا القلب. والسرُّ كامنٌ أيضاً في المذاكرة مع الشيخ : فهي تتيح ذكرَ الأولياء والصالحين ؛ وحين يُذكَرون تنزل سكينةٌ وتتبدّد مصاعبُ الطريق ».
فصارت المذاكرةُ لمريديه ذكراً جماعيّاً، تعمل فيه ذكرى الأولياء والكلمةُ الملهمة عواملَ تحوّلٍ داخليّ.
ذكرٌ متجذّر في الأخلاق
وضع تعليمُ سيدي جمال الذكرَ في قلب المسار الروحي، ولا سيّما تلاوةَ الأوراد وذكرَ التوحيد المحوري « لا إله إلّا الله » وكذلك الوظائف. فهو، كما والدُه سيدي حمزة، كان يعدّ هذه المجالسَ أماكنَ لطفٍ تصقل فيها القلوبُ وتتجلّى فيها الحضرةُ الإلهية بأوضح بيان. فصار الذكرُ عملاً حقيقيّاً من أعمال التطهير الداخلي، يتحوّل به القلبُ، مجَرَّداً من حُجُبه، مرآةً للنور الإلهي. ولم تكن هذه الممارسةُ منفصلةً عن إطارٍ أخلاقيٍّ دقيق : إخلاصٌ في الأقوال والأفعال، ومحاسبةُ نفسٍ يومية، ورفقٌ ولطفٌ في العلاقات، ومحبّةٌ واحترامٌ لكلّ مخلوق. وكان يؤكّد أنّ الذكرَ لا يثمر إلّا إذا تجذّر في مراعاة الشريعة ومتابعة النبيّ، حتى توحّد ذكرى الله الوجودَ في أبعاده كلِّها. وهكذا كان ترديدُ « لا إله إلّا الله » مع بقاء الكذب أو الحسد أو الغيرة يبدو في نظره تناقضاً. فالذاكرُ مدعوٌّ إلى تطهير خُلُقه والتخلّص من الرذائل والتخلّق بالفضائل النبوية، ليخصب الذكرُ الروحَ ويترجم أفعالاً. وفي هذا المنظور ليست الأورادُ والذكرُ والوظائفُ مجرّدَ شعائر، بل آلاتُ تحوّلٍ تنزل الكلمةَ إلى الحياة، حتى تصير الحياةُ كلُّها فعلَ حضورٍ إلى الله.
« أقوياء أصحّاء » : التوصيات الأخيرة
وهكذا ينتهي سردُ حياةٍ كان كلُّها متوجّهاً إلى الله. لن ننسى، سيدي جمال، نصائحَك المتكرّرةَ بأن نضع اللهَ أوّلاً في حياتنا، وأن نعيش كلَّ لحظةٍ تحت نظره. لن ننسى ابتسامتَك الرصينةَ التي كانت تسكّن القلوب، ورفقَك الذي كان يصلح الأرواح، وتجرّدَك الذي كان يحرّر من أوهام هذه الدنيا. لن ننسى صراحةَ كلامك، ونظرتَك العامرةَ بالرحمة، وأدبَك الرقيق، وثباتَك في الخدمة. وفوق كلِّ ذلك، أيّها سيدي جمال العزيز، نصون في قلوبنا توصياتِك الأخيرة، تلك التي خاطبتَنا بها يوم الجمعة 17 يناير 2025 : أن نبقى « أقوياءَ أصحّاء »، نداءً يلمس الواقعَ في هذه الأزمنة المضطربة ؛ وأن نتذكّر أنّ الطريقةَ قبل كلّ شيءٍ طريقُ محبّةٍ ؛ وأن نواظب على الغاية : بلوغَ مقام الخلّة، الألفةِ مع الله، ذروةِ السلوك الروحي. وما زال كلامُك يتردّد فينا كبوصلةٍ توجّه خطانا نحو تلك الألفة المقدّسة.
وبأمرٍ إلهيٍّ سلّمتَ السرَّ، ذلك السرَّ الروحيَّ، إلى ابنك وخلفك سيدي منير القادري بودشيش، رضي الله عنه، مؤمِّناً بذلك استمراريةَ هداية الأرواح إلى ربّها. وقلتَ لنا إنّك شيخٌ نَشاطٌ وإنّك ستجعلنا نشاطيّين ؛ ونحن مقتنعون في صميمنا أنّ الآتي، كما بشّرتَ، سيكون مهيباً في الله، تحت الهداية المنيرة لسيدي منير. إليك أيّها المقرَّبُ العظيمُ إلى الله لا نقول وداعاً بل إلى اللقاء، واثقين أنّ هذا الفصلَ الجديد من الطريق سيقودنا إلى قربٍ أعظمَ من الواحد.


