الوصية الروحية لسيدي الحاج العباس

سيدي الحاج العباس، مرشد الطريقة القادرية البودشيشية من 1960 إلى 1972

سيدي الحاج العباس، المولود سنة 1890، كان المرشد الروحي للطريقة القادرية البودشيشية من 1960 إلى 1972. ابن الحاج المختار القادري البودشيشي، المقاوم البارز للغزو الفرنسي في المغرب الشرقي، صار هو وابنه سيدي حمزة في آنٍ واحد مريدي سيدي أبي مدين القادري البودشيشي، قريبهما.

ومتحركاً بلوعة روحية عميقة، كان سيدي العباس يبحث عن شيخ يستجيب لها. وعلى نصيحة «مأخوذٍ إلى الله» قصده في السابعة عشرة من عمره طالباً الإرشاد الروحي، صبر خمساً وثلاثين سنة على أن يأتي هذا الشيخ يقرع بابه، سنة 1942.

وتابع سيدي العباس تعليم سيدي أبي مدين الروحي حتى وفاته سنة 1957. وإذ كان شيخه قد عيّنه خليفةً له، آثر سيدي العباس، وهو يشعر بأنه لا يستحق هذا المنصب، إبقاء مشيئة سيدي أبي مدين سرّاً. ولم يكن إلا سنة 1960 أن رضي بكشف هذا الميراث لمريدي الطريقة وتولي الإرشاد الروحي للطريقة القادرية البودشيشية. وعند وفاته سنة 1972، نقل سيدي الحاج العباس هذا الإرشاد إلى ابنه سيدي حمزة. وقد تم هذا التسليم الروحي بمقتضى وصيةٍ يذكّر فيها سيدي العباس بأسس الطريق وغاياتها. وفيما يلي نصها.

أمانة الطريق

من العبد الخاشع أمام ربه، الفقير المحتاج، الحاج العباس القادري البودشيشي، إلى أبنائه وإخوانه في الله.

تعلمون أنني أحب الصمت، وأن طبيعتي الكتومة تدعوني إلى قلة الكلام.

ومع ذلك، فأنتم تطرحون أسئلةً كثيرة تستحق مزيداً من النصح والبيان، بخصوص هذه المسؤولية التي حملني إياها العناية الإلهية منذ بضع سنين.

أبنائي، إخوتي في الله :

لا بد أنكم فهمتم من أحاديثنا السالفة أن الطريقة الصوفية التي يسلكها أجدادنا منذ قرن ونصف هي الطريقة القادرية، وهي بركة من بركات العارف بالله، المربّى بالسرّ الإلهي، المنال بعون النبي صلى الله عليه وسلم، جدّنا الأعلى ومولانا عبد القادر الجيلاني، جعل الله لنا الانتفاع ببركته.

وربما تعلمون أنه في الوقت الذي كان القدر سيسوقني فيه، في عداد أفراد الأسرة، إلى النهوض بمسؤولية إدامة طريق أجدادنا، كنت ما زلت مشغولاً بشؤون الدنيا، أشتغل في الفلاحة.

والحق أن هموم الحياة منعتني إشباع رغبتي في دراسة العلوم الدينية وأنا شاب. فاكتفيت بمعرفة فرائض الشريعة وتلاوة القرآن. وبحمد الله لم أُحرم فهم جمال الآيات والأحاديث، ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وأحوال أصحابه، وأقوال الأولياء وأفعالهم.

فاعلموا أنني لست مفتخراً ولا عالماً يحق له الإفتاء، ولا حتى من يستطيع إرشاد الناس على ضوء الكتاب والسنة : فذلك شغل العلماء المختصين بدراسة النصوص والمنكبّين على تحليلها. وعلاقتي بكم علاقة روحية تربوية، قائمة على الصحبة ومحبة الله، وعلى الاجتماع لذِكره والتعرض لألطافه، وشديد الحرص على معرفته، وعلى الجودة بعون النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك طلباً لطهارة القلب وتقوية الكيان وتنويره بنور الإيمان، ولكل ما يترتب على ذلك من ممارسة روحية وتربية وسلوك، لأن باطن المرء إذا صلح صلح به ظاهره.

فعن النبي صلى الله عليه وسلم : «ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله : ألا وهي القلب». ولأجل هذه الغاية الشريفة وحدها ينبغي للعبد الصادق أن يقوّي عزيمته ويقبل على الله، دون أن يحاول تخمين ما اختاره له.

خلافة سيدي أبي مدين

يشهد الله وملائكته أنه يوم جئت أرى شيخي وأبي الروحي سيدي أبا مدين، رحمة الله عليه، لم يخطر ببالي لحظةً أنني سأكون يوماً أهلاً لوراثة سره وخلافته. كنت قد جئته صادقاً، مسلّماً إليه لجام نفسي، ليعينني على معرفة حقيقتها وعلى رفع الحجاب الفاصل بين العبد وربه.

لكن الحجب لا تُرفع بهذه السهولة : فلذلك لا بد من نية صادقة ومن التربية على يد شيخ صادق. ولم يمنعني كوني في الطريقة القادرية، طريق أجدادي، وكون أبي رجلاً من رجال الله، من أن أرغب في لقاء مربّي الأنفس، عالماً أنه السبيل الوحيد لتغيير السلوك والدنو من الله تدريجياً. وكان جدّي الأعلى الأعلى في ذلك أسوةً حسنة : فتح الله قلبه بأن سلك الطريق نفسه الذي سلكته، وأودع نفسه عند شيخ جليل من مشايخ عصره، وإن كان هو نفسه من أسرة صوفية قادرية. فبلغ بفضل الله المقام الذي أُذن له فيه بذِكر الاسم الأعظم (إسم الله الأعظم)، ثم صار شيخاً بدوره. وقبل وفاته بقليل نصح ابنه بأن يكفّ عن ممارسة الطريق وذِكر الاسم الأعظم وأن يعود إلى طريق «التبرك»، لأنه لم يبلغ مقام التربية الروحية. ويُستبان من هذه القصة أنه قبل أن يتسنى للمرء تربيةُ غيره روحياً، عليه أولاً بلوغ المقام الذي يأذن له بذِكر «الاسم» (الله). وكان المشايخ الروحيون ينصحون مريديهم الذين لم يبلغوا الغاية بعد باتباع آثارهم والاقتداء بسيرهم بعد وفاتهم. وللسبب نفسه أنصحكم باتباع من يأتي بعدي (بعد وفاتي)، حتى لا توقفكم أنفسكم في وسط طريق بهذا الصلاح : فمن يطلب ربه بصدق يطلبه في أي مكان، ويرجو معرفته أولاً لدى من تتجلى عليهم ألطاف الله.

نعم، صحبت سيدي أبا مدين، رحمة الله عليه، بصدق ووفاء، دون شائبة نفع أو انتظار. وجدت نفسي الأصلية والسلام في صحبته، لأنني أحببته، أحببته كأبي أو أكثر. ولا أذكر أنني عصيته أو استخففت بنصائحه. ومن صفاته كانت تُلاحَظ التواضعُ والرضا بما عنده ; وكانت سيرته على السنة، وكان معروفاً عند الجميع بتشدده مع كل مخالفة للشريعة حين يشهدها. ولم يكن يقبل أن يتناول مريدوه فرائض الدين بكسل أو يبتعدوا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

ولن أخفي عنكم أن أهم حديث دار بيننا كان حين أمرني بخلافته بعد موته. وكان مربّي أنفسٍ صارت طاهرةً إثر فترة تطهير باطن أعقب ممارسة اسم الله الأعظم، الموصى به في القرآن والسنة، بلا حد ولا عدد. وهذا مقام جليل لا يبلغه إلا المريدون ذوو المقام الرفيع، ولا سيما عباد الله، الأولياء. وكل هذا يعني من وقفوا حياتهم على القرآن والسنة ويحرصون على التخلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. أما من فسدت نياتهم وشكّوا في هذا النوع من المقامات ولم يبلغهم العون الإلهي، فعليهم أولاً أن يعملوا على شفاء أنفسهم وجهاد المؤثرات المضادة.

وأهم حديث دار بيني وبين سيدي أبي مدين كان في آخر عمره، حين عيّنني خليفةً له. فاعتذرتُ ودللتُ على من ظننتهم أجدرَ بالنهوض بهذا الأمر. فقال لي : «ستحمل هذه المهمة طوعاً أو كرهاً» ; فسكتُّ أدباً.

وبعد وفاة سيدي أبي مدين (رحمة الله عليه) سنة 1957، لم يكن أحد يعلم من يخلفه، لأن طبيعتي كانت تميل بي إلى الصمت وتدفعني إلى الانتظام والمواصلة في عملي الروحي. وكنت أرغب أيضاً في أخذ وقتي للاستعداد لهذه المسؤولية، وكنت أشعر بخوف عظيم من ألا أكون على قدرها. فبقيت صامتاً هكذا نحو ثلاث سنين بعد وفاته، لا أرى فيّ أي أهلية للتربية، ولا أرى فيّ تلك الثقة التي كان قد رآها فيّ. بل كنت أرى نفسي أضعف مريديه وأحوجهم إلى الرحمة واللطف : لكن الله شاء الأمور هكذا ; وعلى عبد الله أن يعلم أن مشيئة الله أقوى من مشيئته وأن قوةً غير قوته تهديه. ومن الأسباب التي ألزمتني بأن أتحرك وأتحمل مسؤولياتي سنة 1960 أنني شهدت، في مجلس ذِكر، أشياء ما كانت لتحدث لو كان سيدي أبو مدين حيًّا. عندئذ أحسست بكل المسؤولية الواجب تحملها، وفهمت أنني سأُحاسَب أمام الله على كل ما يتصل بميدان التربية الروحية، لأنني كنت حتى ذلك الحين أتساهل في أشياء دون أن أحاول إصلاحها. فقبلتُ عندئذ أن آذن بممارسة الذِّكر والاسم الأعظم وأن أذيع بعدها الوصية الروحية لسيدي أبي مدين. وهنالك انكشف «الأمر» للجميع.

الذِّكر، طريق اللطف

رحم اللهُكم ورحمنا، فلم نُكلَّف ما كُلِّفه المريدون الأولون الذين كانت إراداتهم قوية وجهودهم مرهقةً قائمةً على غلبة النفس. عَلِم الله ضعفنا وكثرة انشغالاتنا في هذا العصر، فتفضل علينا بأن جعل كل شيء في الذِّكر، وبالإحسان في العبادات، لأن الإكثار من الذِّكر وأداء الفرائض الدينية كلها والوقوف عند حدود الشريعة يعين على تطهير القلب وقهر جبروت النفس ورفع حجابها. وهذا ما كان سيدي أبو مدين قد نصح به (رحمة الله عليه). فقد رآني مرةً أكدّ وأفعل أكثر من طاقتي، فنهاني قائلاً : «نحن دخلنا من باب الجلال فتعبنا، وأنت دخلت من باب الكرامة والجمال، فلا تتوقف». وهكذا كانت الأمور. فتُرك جانباً طريقُ القوة والعزلة، وحلّ محله طريق الذِّكر والاجتماع. وسارت الأمور على أحسن حال بحمد الله. وفي أقصر وقت أضاء طريق الله هذا قلوبَ المريدين ذوي النية المستقيمة والمقاصد الشريفة : فلم يلوّثوا نياتهم بمصالح شخصية أو أغراض دنيوية. وليس ذِكر الله والاجتماع له أمراً جديداً في الإسلام : فهو ما يوصي به القرآن في كل الأحوال وكل الحالات (الحزن وغيره). ويكون الذِّكر باللسان أو بالقلب أو في السر، مجتهداً في ألا يغيب عن حضوره. قال الله تعالى : «وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ».

وقال الله : «وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا».

وقال : «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ».

وقال الله : «رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ».

وقال أيضاً : «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا».

وكذلك في السنة توجد توصيات بذِكر الله فرادى وجماعات، في السر والجهر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : «قال الله : أنا عند عبدي ما ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن لله ملائكةً يقفون على مجالس الذِّكر في الأرض ; اغدوا إلى بساتين الجنة! قيل : يا رسول الله، وما بساتين الجنة ؟ قال : مجالس الذِّكر ; فاغدوا وروحوا في ذِكر الله!».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله». فكما ترون، يوصي القرآن والسنة بذِكر الله والاجتماع له ومحبته. وإن كان في هذه الطريقة سرٌّ يُتعلَّم، في أي عصر كان، فهو كامن في الصدق والوفاء، لأن الله لا ينظر إلى صورة عبده ولا إلى أعماله وأقواله، بل ينظر إلى قلبه ونيته. وبسبيل الذِّكر يتهيأ القلب لمشاهدة الحقيقة. والحقيقة ليست خارجنا ولا في الكتب، بل هي فينا، والله يتكلم من خلال قلوبنا. ودائماً ما تعرض الآيات، فإذا كنا قد هيأنا قلوبنا لفهمها بعين الحقيقة تقدمنا في الطريق. وإن لم نكن مهيأين، أرانا الله، في رحمته، آياتٍ جديدة. ومثال ذلك حال البلاء : فما لم نتهيأ لفهمه استمر ; يُرينا الله آياتٍ لا نراها، فنضيع الوقت ولا نتقدم نحو السلام الداخلي.

سؤال : «ماذا يحدث إن انقطعنا عن المجالس وكففنا عن ممارسة الذِّكر ؟ أيمكن أن تصيبنا مشكلات ؟» الجواب : «الشيء الوحيد الذي سيصيبك أنك لن تتقدم ; لا شيء يحدث إن لم تفتح قلبك، أنت تضيع وقتك».

الشريعة إطار الطريق

الحياة سلسلة آيات. والله تعالى لا يريد إلا أن يقرّبنا إليه في رحمته. ونحن الذين لا نحسن قراءة آياته. فالبلاءات التي تنزل بنا، والنعم التي نتلقاها، آياتٌ كلها، وعلينا أن نجتهد في أن نرى الله فيها. والسبيل الوحيد لفهم آياته أن نفتح قلبنا، والسبيل الوحيد لفتح قلبنا أن نقبل على مولانا وأن نمارس ذِكر «لا إله إلا الله». فشهادة التوحيد هذه هي التي تتيح لنا تدريجياً أن نشاهده في كل شيء، وأن نحاول فهم حياتنا على ضوء هذا الطلب لله ومعرفته. وهو في كل شيء وفي كل فعل : حين نهدهد طفلنا، أو نعد الطعام، أو نعمل للسلام، لراحة الناس ; لكن الذِّكر لا غنى عنه، فهو النبع الذي يغذينا ويرفعنا من حالة الوعي الأناني إلى حالة تسمو بنا. وفي الطريق لا يكفي إسداء النصائح أو الافتخار بتطبيقها، بل يلزم أن تستقر هذه النصائح وهذه الأعمال في النفس. وفي القدم قيل : «الاستقامة الباطنة خير من ألف كرامة». وسُئل يوماً أحد العارفين لماذا فارقه بعض مريديه، فأجاب : «قلبي معلق بالشريعة، ومن لا يراعي الشريعة يفارقني». وقواعد الشرع، بحمد الله، بسيطة : يُوجد أصلها في القرآن والسنة، والأحكام مسطرة في كتب الفقه، وفي عمل رجال الله وأقوالهم وسيرهم مثال حسن لها.

فالشريعة خير ما للإنسان، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم خير دليل.

قال الله : «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها : كتاب الله وسنة نبيه ; لا يزيغ عنها إلا هالك».

وعلى هذا، قد يقتصر وصيتي على أن أدلّكم على ما أوصى به الإسلام وما نصح به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن وجهة النظر الشرعية، لا يُسأل المرء عن خطأ غيره أو جرائمه إلا بقدر ما كان يمكنه أن يقدم له من العون والنصح. ومصير الخلق كله بيد الخالق، وهو الذي يحكم : إن شاء غفر بجوده، وإن شاء عاقب. وعلى أية حال، فخير حال للمؤمن أن يعمل (روحياً) عملاً خالصاً نقياً، دون أن يطلب مصلحته الشخصية. (…)

وفي الحديث : «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء». وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : «اللهم يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك!».

وهكذا، لا درجة معرفة ولا علم يقدران على تغيير ما قدّره الله منذ الأزل. ومهما بلغ المرء من الارتفاع، بدا ضئيلاً إلى جانب عظمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث : «والله، ما أدري ما يفعل الله بي ولا ما يفعل بكم، إلا أن يشملني بلطفه». ولعل هذا الحديث هو الذي تمسك به عمر فألقى تلك الكلمات المشهورة المعروفة : «ليت أم عمر لم تلد عمر، وليته لم يرَ الوجود ولا الناس!» (مثال على الخشية). (…)

ولقد أُوصيتم بالإكثار من الذِّكر لأنه يطهّر القلب ويضمن «الحياة ومماسها». فأي دواء سوى الذِّكر ينفع قلباً أظلمت جوانبه ولطّخ مرآته الصدأ ؟ وأي شفاء غير الذِّكر يردّ إلى باطن الكيان نقاءه وثباته ؟ فلكل شيء دواء، ودواء القلوب الذِّكر (لا إله إلا الله). والذِّكر يؤثر في الروح ويعمل على الحواس، ويتيح للمؤمن أن يعيش «حياة طيبة» وأن يتجمل بأحسن السلوك. وذِكر القلب يُبعد عن كل هاجس دنيوي وعن الانحرافات، وعن كثير مما لا يلائم مقام المؤمنين الصادقين. قال الله : «أَفَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا».

المجالس والصحبة

حين ينبع الذِّكر من قلب طاهر منوَّر بنور الإيمان، يتجنب الشيطان طريقه. وكل الأسرار والأنوار الإلهية التي تقع على قلب المريد وتتراءى له أحياناً ظاهرةً بأشكال مختلفة، وظيفتها تحريضه على المثابرة في سلوكه وإزكاء ظمئه إلى معرفة الله. ومع ذلك، لا يجوز الاهتمام بها، لأن كل ما يقع في عالم الروح أسمى بكثير من طاقة الفهم البشري. فعن الحديث : «حدّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله ؟». وهكذا، فعلى المريد العاقل أن يحسن السلوك إزاء هذه الأسرار إذا بدأ يلمحها : أن يتحلى باليقظة، ويقلل من شأنها، ويبذل جهده في ضبط نفسه حتى لا يتجاوز الحدود المرعية، ولا سيما في شأن الدين. والصدق المطلق متحقق حين تتوافق الأحوال الظاهرة تماماً مع الأحوال الباطنة، وحين ينبثق كل شعور ظاهر من شعور باطن. وفي هذه النقطة بالذات برزت تربية سيدي أبي مدين، رحمة الله عليه. (…)

أما العمارة فليست غاية في ذاتها. ولا يجوز العمل في سبيلها، ولا تؤذن إلا لمن لم يعد يقدر على ضبط مشاعره وأهوائه وأحواله حين يسمع الذِّكر أو تلاوة القرآن، فتنعكس أحواله الباطنة في الظاهر دون أن يشاء. ويُترَك من كان في هذه الحال (فهو شأنه)، حتى يعود إلى نفسه ويسترد ثباته الباطن. ويبقى التمييز واضحاً، بين أن يكون الله هو سبب هذا الظهور الخارجي أو أن يحدثه المريد اصطناعاً.

وأنصحكم أيضاً بالإكثار من حضور المجالس، فلا تربية بلا صحبة ولا محبة ولا مجالسة الإخوان. فبفضل المواظبة على حضور المجالس تنتقل الطهارة والحياة بين الإخوان. وعندئذ يمكن غلبة النفس وإصلاح السلوك. ويمكن أيضاً كسر العادات والنجاة مما كان سيُهلكنا، واكتساب خصال وعادات تقود إلى السعادة والطهارة. وعرفتم بينكم شباباً أظلمت حياتهم : لا يرون شيئاً حسناً، ونزل في قلوبهم جحيم الضلال. وضاقت عليهم الحياة مع سعتها. ثم (بفضل الطريق) استنارت حياتهم وحطّ رحيق السكينة والسلام على قلوبهم. فذاقوا نِعَم الإيمان وطمأنينة النفس، اللذين لا يُتصور بدونهما أي سعادة. وهذه هي الحقيقة التي يكتشفها الإنسان في نفسه : إنها لطف الله حين يمسّ القلوب، وهو الذي يحدث هذه السعادة ويجعلنا لا نرى في الدنيا إلا نقاءً وفرحاً، مع كل ما فيها من رذائل. وبالمثل، غضب الله إذا نزل صار جحيماً لا يُحتمل. ومجالس الذِّكر تؤدي إلى هذه الولاية حين تكون طاهرةً من كل نفع شخصي أو دنيوي ومن كل رذيلة، لأن نور الإيمان سرٌّ مستور لا يُسلَّم إلا إلى القلوب الطاهرة الصادقة. وبهذا تتعلمون وضع كل شيء في موضعه، وتفهمون أن كل ما يُبعد عن الله ويحاول إدخال الهموم المهنية أو الدنيوية في المجالس عائقٌ يجب الحذر منه. وفي المجالس لا ينال الفقير إلا على قدر طهارة نيته، لا أكثر ; ومن يأتي إلى المجالس لعقد الصفقات أو لمصلحة شخصية فقد خسر حيث يربح الناس. أما من أفرغ قلبه من كل نفع وتهيأ لتلقي الإفاضة الروحية فسيجد ما يطلب، وقد أفلح حيث يخسر كثير من الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». أبنائي، إخوتي في الله، هذه إذن نصائحي. واعلموا أنني حين أوصيكم بشيء فأنا أول من يطبقه، لأن الله سيسألني عن أقوالٍ لم أنوها أو عن وصايا لم أعمل بها. واعلموا أن من تجاوز الثمانين، وفقد الصحة والبصر بسبب كبر سنه، لا يحتاج إلى شهرة ولا مال ولا أي شيء في هذه الدنيا يمنعه من قول الحق. ولذلك أنصحكم بالعمل بإرشاداتي. وأفضل ما أوصيكم به، وأنا على أعتاب القبر، أن تتكلوا على الله على الدوام في كل أحوالكم، وأن تعملوا قبل أن تتكلموا، وأن تصدقوا مع الله فيما يخص ممارستكم الروحية وأقوالكم. وأرشدوا عباد الله إلى الدين الذي أعطانا إياه بصدق ووفاء وفقر. «سُبْحَانَهُ، يعلم من يقبل إليه ومن يقبل إلى سواه».

الصدق، برهان الطريق

علاقاتكم وأعمالكم (الروحية) ينبغي أن تُبنى على النصيحة الصادقة بعضكم لبعض، والتشاور، والطهارة، وطلب الخير. قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة. قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». واحذروا أن يزيلكم الشيطان عن طريق الله ويُبعدكم عن الفقراء. فقد جرّب رجال الله ذلك : الصدق في الطريق يطرد الأدناس كما يطرد الكير أوساخ النار. ومشيئة الله ألا تُكشف هذه الأسرار إلا لمن لهم العزيمة السليمة والنية الصادقة، ولا يأتون الطريق إلا لشفاء أنفسهم. قال الله : «يَعْلَمُ اللَّهُ إِنْ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا».

أبنائي، إخوتي في الله، اعملوا على ما قيل، وادعوا الله في هذا السبيل. واعلموا أن الصدق مع الله وعباده خصلة لا غنى عنها. فهو أساس طلب الله والسلوك إلى دينه. وبرهان الصدق أن يوافق الظاهرُ الباطنَ، وأن توافق الأقوالُ الأفعالَ. قال الله : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ». وتبليغ الطريق، قبل أن ينجح بالكلام، ينبغي أن ينجح أولاً بالأفعال : سيرة حسنة وسلوك حسن. فالداعون إلى الله بصدق يدعون بعملهم وسيرتهم الحسنة قبل أن يدعوا بنصائحهم وأقوالهم. فليس إسلام بلا عمل على النفس ولا سلوك حسن نجتهد فيه على محاكاة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وذلك هو الجهاد الكبر للمسلمين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يُصلَح آخر هذه الأمة بما صُلِح به أولها». نعم، الصدق عقدٌ معلق في عنق كل مؤمن، وطلب الله بالصدق ومراعاة أحكام الشريعة شرطان خالدان خلود السماوات والأرض. وكل عبدٍ لله يريد اتباع ما جاء في القرآن وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم مكلَّف بهذه المسؤولية.

للمزيد