تكريم سيدي جمال القادري بودشيش (1) : شيخ المسكنة

المحتويات
سيدي جمال

سيدي جمال القادري بودشيش، قدّس الله سرّه (1942-2025)، طبع الحياةَ الروحية لآلاف المريدين في المغرب والعالم. وقد ترك رحيلُه القريب في القلوب جرحاً ما زال نديّاً، لا يخفّفه إلّا اليقينُ بأنّه صار في السلام الإلهي إلى جوار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ووالده سيدي حمزة، قدّس الله سرّه. وارثُ الطريقة القادرية البودشيشية، استطاع أن يجمع بين الرسوخ في ثوابت التصوف وبين تربيةٍ حيّةٍ واعيةٍ لتطلّعات عصره الروحية. تربّى في الفضاء الإرشادي لزاوية مداغ على يد جدّه سيدي الحاجّ العباس وأبيه سيدي حمزة، فسار في منطق تسليمٍ لم تكن فيه الاستمراريةُ نقيضَ التجديد، بل كانت نَفَسَه ذاتَه. وإذ كان واعياً أنّه يتلقّى أمانةً مقدّسةً، السرّ، حمل عبئَها لا على أنّه امتلاكٌ بل على أنّه خدمة، مذكّراً بسيرته أنّ الشيخ الحقيقيَّ ليس أبداً مالكَ النعمة المنقولة، بل وسيطُها المتواضع في جريانها : « دوامُ هذه الطريق المباركة يشهد لصلابة الأسس التي أقامها أسلافُنا الصالحون، ولاستمرار إرثٍ مقدّسٍ تناقلته سلسلةٌ ذهبيةٌ تصل إلى النبيّ سيّدنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم. وهذه الأمانةُ الغالية، المحمولةُ بصدقٍ وكرامة، تبقى نوراً إلهيّاً يضيء الأرواحَ ويطهّر القلوب ».

تكوينٌ بين مداغ وفاس والرباط

تتغلغل جذورُ تربية سيدي جمال في عالم زاوية مداغ الروحي، تلك الحاضنةُ الأولى التي فيها حفظ القرآنَ وتلقّى أولى إرشاداته في علوم تطهير الباطن. وجمع مسارُه الفكري بين لغتي الثقافة، العربية والفرنسية، في تناغمٍ وصل تعلّمَ العلوم الدينية بموادّ التعليم العامّ، في ثنائيةٍ من المعرفة. وفي ثانوية مولاي إدريس بفاس أفاد من تعليم الفقيه إدريس بن الماحي الإدريسي الدقيق، الذي ترك صرامتُه المنهجية وأخلاقُه الفقهية أثراً باقياً في تلاميذه، ومن النفحة الإنسانية لسيدي محمد بلخياط الأديب. وفي كلية الشريعة بفاس أُدخل في دقائق علم الفرائض على يد سيدي الغازي الحسيني، وفي منهجية الفقه المقارن على يد سيدي عبد الكريم الداوودي، فكسب بذلك انضباطاً فكريّاً قائماً على صرامة الاستدلال وحسّ العدل والانفتاح على مدارس الفقه المختلفة.

وأخيراً في دار الحديث الحسنية بالرباط، معقلِ الدراية في علوم الحديث، نال شهادةً عليا بتحقيق مخطوط أبي سالم العيّاشي، قبل أن يدافع سنة 2001 عن دكتوراه دولة عنوانُها « مؤسسة الزاوية بالمغرب بين التقليد والحداثة ».

المثقّف الكامل

كان سيدي جمال يجِلُّ العلومَ جلالاً عميقاً، دينيةً وإنسانية، ويعدّها امتداداً للعبادة : فالدراسةُ عنده صورةٌ من الذكر، تذكيرٌ بالله عبر العقل. وكانت مكتبتُه، الغنيّةُ المتنوّعة، تجمع كبارَ مصنّفات التفسير والفقه والتصوف إلى جانب المؤلّفات الحديثة، علامةً على عنايته بتفكير الروحانية في سياق عصره. وكان قارئاً مواظباً يجعل من القراءة رياضةً باطنية : يتأمّل كلَّ صفحةٍ ويستخرج منها لطائفَ يدوّنها على أوراقٍ صغيرة، كأنّه يرسم الذاكرةَ الحيّةَ لطلبه الروحي. وبفضل تكوينٍ جمع القانونَ والنحوَ والعلومَ الدينية، أغناه نظرٌ سوسيولوجيّ وثقافةٌ عامّة واسعة، جسّد سيدي جمال شخصيةَ المثقّف الكامل. وكان علمُه، وإن كان راسخاً عميقاً، يظهر ببساطةٍ عظيمة، فكان علمُه ينير من غير أن يبدو استعراضاً يوماً.

روحانيةٌ متكاملة

كانت حياةُ سيدي جمال تجسيداً حيّاً لروحانيةٍ متكاملة، يصير فيها كلُّ عملٍ يوميٍّ مرآةً للسنّة النبوية : أن يعلّم بأمانة، وأن يكفل قوتَ أهله، وأن يخدم الجماعة، وأن يواصل بلا كللٍ جهادَ نفسه الداخلي. كان مدرّساً ثمّ مفتّشاً للمدارس القرآنية، وكان يعدّ مهنتَه عبادةً ضمنيّةً ويجعل من التعليم عملاً من أعمال العبادة. وإلى جانب والده سيدي حمزة، عمل على تدبير الزاوية كمن يشيّد فضاءً للأخوّة والخدمة، على مثال المدينة أوّلِ عواصم الإسلام. وكانت يقظتُه الباطنة دائمةً : محاسبةُ نفسٍ يومية، وورعٌ في الأقوال والأفعال، وعنايةٌ بالوفاق بين السرّ والعلن.

جمعت شخصيتُه بين التواضع والرفق والنبالة الباطنة. وكان كلامُه، الصريحُ المنيرُ الخالي دائماً من الغلظة، يبلغ مباشرةً إلى المقصود : تطهيرَ القلب وذكرِ الله ومحبّةِ الناس والاستعدادِ للقاء الآخرة. وكانت ابتسامتُه الهادئة الدائمة تعكس سلاماً داخليّاً وتذكّر بالتعليم النبوي في أنّ الابتسامةَ ضربٌ من الصدقة. وفي سلوكه أظهر أدباً نادرَ الرقّة، أناقةً عامرةً تنمّ عن رقّة القلب وانسجام الروح. حتى مظهرُه كان جزءاً من هذه التربية الصامتة : ثيابُه الرزينة المتناسقة تعبّر عن جماليةٍ روحية : الأبيضُ علامةَ الطهارة والنور، والأسودُ لمحَ الوقار والخشوع، والرماديُّ رمزَ الاعتدال والزهد.

مقام المسكنة

كان مفتاحُ شخصية سيدي جمال الروحية كامناً في مقام المسكنة، الذي لم يكتفِ بتعليمه بل كان تجسيدَه الحيّ، يشعّ في وجوده وكلامه كلِّه. والمسكنةُ، المشتقّة من الجذر س-ك-ن الدالّ على السكون والطمأنينة والراحة، تدلّ في التراث الصوفي على فقرٍ اختياريٍّ لله، وتواضعٌ وجوديٍّ يجرّد النفسَ من دعاويها ويُقيم القلبَ في افتقارٍ مطلقٍ إلى الحقّ. وقد عرّفها جنيد بأنّها « سكونُ النفس في الخضوع والافتقار إلى الله »، ووصفها القشيريُّ في رسالته بأنّها إدراكُ الضعف الأصيل في الكائن المخلوق. وسيرةُ سيدي جمال تنضوي صراحةً في هذا السبيل، ممدِّدةً هذا التراث بممارسةٍ معاصرة.

وفي خطابٍ وجّهه إلى مريديه في نوفمبر 2019 قال :

« اشهدوا أنتم جميعاً، أيّها الذاكرون والذاكرات، أنّي فقيرٌ وأحبُّ الفقراء، وقد اخترت أن ألبس ثوبَ الفقر. هذا الثوبُ الذي لا يفنى ولا يبلى ولا يُخلَع. وذلك منذ صباي، لأنّ مقامَ المسكنة من أرفع الدرجات. أوصيكم أن تكونوا فقراءَ في أخلاقكم، أغنياءَ بربّكم. كونوا أغنياءَ في الظاهر وفقراءَ في الباطن ».

فالمسكنةُ عند سيدي جمال لم تكن محطةً روحيةً بين محطاتٍ، بل الأفقَ الأخلاقيَّ الذي وجّه نصائحَه وسلوكَه، جامعاً بين الداخل والخارج، ومحوِ الذات والغنى بالله. وفي عالمٍ غلبت عليه جموحُ الأنا وهَوَسُ الملكية، يبدو هذا التعليمُ دعوةً إلى استعادة باطنٍ متواضعٍ وقناعةِ قلبٍ وعلاقةٍ حيّةٍ مع الإلهيّ.

التجرّد ونظرة الرحمة

امتاز سيدي جمال بتجرّدٍ تامٍّ كان محورَ حياته الروحية، ينفذ في سلوكه كله. لم يكن سلوكُه ليُبدي يوماً أدنى حَساسيةٍ أو أخفَّ اضطرابٍ داخليّ : حتى حين بدا أنّ اللياقاتَ موضعُ امتحانٍ، بقي سكونُه لا يتغيّر. ولم يكن هذا التجرّدُ من باب اللامبالاة، بل عبّر عن حرّيةٍ داخليةٍ نادرة، صدىً للقول النبوي : « من تواضع لله رفعه الله ». وكان قلبُه، المتّجه كلّياً إلى الإلهيّ، منيعاً على تقلّبات نظرات البشر وتغيّرات الرأي.

ووجدت هذه السيرةُ توازنَها في نظرةٍ عامرةٍ بالمحبّة والرحمة. لم يكن سيدي جمال يدَع المظاهرَ ولا العيوبَ الظاهرةَ تحبسه ؛ كان يرى الجمالَ الباطن وقابليةَ النور التي أودعها الله في كلّ كائنٍ وكلّ حال. وكانت رؤيتُه، المشحوذةُ بالحضرة الإلهية، تكشف أفقاً من المعنى يتجاوز مجرّدَ الإدراك الحسّي. وكوّنت هذه الحركةُ المزدوجةُ، تجرّدٌ عن الظروف وتأمّلٌ للقابليات الإلهية، تربيةً صامتةً لكنّها عميقةُ النجاعة الروحية، تدعو كلَّ أحدٍ إلى تجاوز الظواهر نحو الجوهر.

لقراءة المزيد