فوزي سكالي : التصوف في المجتمع المعاصر

حوارٌ أجراه مارك بوديه مع فوزي سكالي، نُشر في صحيفة الصباح (2 و3 آذار 2000) بمناسبة ندوة «التصوف في المجتمع المعاصر» بفاس.
في الندوة المعنونة «التصوف في المجتمع المعاصر» المنعقدة بفاس يوم السبت 4 آذار، في المجمع الثقافي القدس (من التاسعة إلى الثانية عشرة ومن الثالثة والنصف إلى السادسة)، التقينا أحدَ منظّميها ومتدخّليها، السيد فوزي سكالي، دكتور في الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا وعلوم الأديان، صاحبَ مؤلّفاتٍ كثيرة عن التصوف منها «الفتوّة» و«الطريق الصوفي» و«آثار من نور» (منشورات ألبان ميشال)، و«تلاقي القلوب» (الصادر حديثاً في فرنسا عن منشورات دو رولييه)، ليُلقيَ لنا الضوءَ على ما يمثّله التصوف، هذه الطريقُ الروحية التي يستكشفها بوصفه مريداً فيها.
ما التصوفُ في حقيقة الأمر، وهل هو طريقٌ أصيلٌ في الإسلام وموافقٌ للسنّة ؟
من اللافت حقّاً أن يُطرح مثلُ هذا السؤال، وكأنّ التصوفَ شيءٌ لم يوجد إلّا اليوم، في حين أنّه رافق تقليدَ الإسلام وحضارتَه كلَّها منذ نشأتها، إذ ليس سوى البُعدِ الأعمق والأبطنِ لهذا التقليد، ما يمكن أن نسمّيه قلبَ الإسلام، بالمعنى أيضاً الذي يثبّته الحديثُ المشهورُ المعروف بحديث جبريل، حيث جاء أنّ الإسلام يتوزّع على مستوياتٍ أو مراتبَ يمكن تسميتُها : «الإسلام» : أي كلّ ما يتعلّق بأركان الإسلام الخمسة : ثم «الإيمان» : وهو مستوًى ألطفُ وأعمقُ يتعلّق بالعقيدة، أي شيءٍ موقعُه القلب : ثم «الإحسان» : الذي هو، كما قال الحديث، «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» : وهو واقعٌ سلفاً في قلب الشهود. فالتصوفُ ليس إذن سوى هذه المرتبة الشهودية، وليس مطلقاً تيّاراً أو حركةً نتساءل فيها «هل هو موافقٌ أم لا»، بل ليس سوى إحدى مراتب الإسلام وأعمقِ مراتب هذا التقليد. وهو ما يُترجم «طريقاً نحو قرب الله».
وهذا الطريق هو السنّةُ نفسُها، لأنّ السنّةَ ليست نظاماً متجمّداً صُفِق مرّةً واحدةً وإلى الأبد، شكليّاً يكفي التسليمُ به. فالدينُ وسيلةُ تحويلِ الذات. إذن هو طريقُ تحويل. ولهذا فالسنّةُ، بالمعنى الأسمى، هي هذا الطريق، هي السيرُ عبره نحو استكمالٍ متزايدٍ يُسمّى تحديداً «مكارمَ الأخلاق»، أي استكمالُ سلوكنا وشمائلنا، وتحويلُ هذه المادّةِ الأوّلية التي نحن عليها في البدء، وهذا عينُه معنى الدين : تحويلُ هذه المادّةِ الأوّلية إلى مادّةٍ أكثرَ فأكثرَ صفاءً ونقاءً وإشراقاً وموافقةً لثمار السنّة، وهي مجموعُ السلوكيات التي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أسوَتُها الأسمى.
كيف يدخل المرءُ التصوفَ ويصير صوفيّاً ؟ وما الممارساتُ الخاصة بأهله ؟
يكفي أن نرجع إلى تاريخ الإسلام لنعرف أنّه وراء المنصّةِ المشتركة التي يتقاسمها كلُّ المسلمين، وهي الشريعة، ثمّة مدارسُ استكمالٍ وتعميقٍ قد تكون بطبيعتها مختلفةً، تبعاً لعلومٍ متنوّعة، منها العلمُ الروحي الذي هو علمُ التصوف. وللانتماء إلى هذه المدرسة ثمّة نوعٌ من «عهد الصحبة» يُبرَم مع معلّمٍ روحيّ مؤهَّلٍ هو نفسُه بالتعليم الذي تلقّاه : وهذا معنى ما يُسمّى «سلاسلَ الإسناد»، الـ«سلسلة» : وهو موثَّقٌ بهذه السلاسل التي هي حِصنٌ من كلّ شكلٍ من أشكال الفئوية والانحراف، ويعطي تعليماً يتيح الدخولَ إلى قلب هذه السنّة وقلبِ روحانية الإسلام. وهذا أساساً عبر ممارساتِ الذكر، الأورادِ. فالقرآن يحمل آياتٍ كثيرة تشدّد على أهمية إكثار الذكر وذكرِ الله دواماً، لأنّ كلَّ الانحرافات، أيّاً كان نوعُها، هي ما يُسمّى انحرافاتِ الغفلة، أي أن تدع النفسَ تنحمل على «موجاتٍ متعدّدة» فينفقدُ هذا المركزُ للوعي. ولا يأتي الوعيُ إلّا بهذا الذكر، بذكر الله. وبهذا الذكر
يولد وعيٌ. وتوجد حضورٌ أعظمُ، يقظةٌ. وفي القرآن قيل : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. فكونُ المرءِ «مذكوراً عند الله» معناه أن يُعادَ إلى هذا الوعي وأن ينالَ حمايتَه. وهذا يتمّ بممارسةٍ منتظمة ومكثّفة لهذه الأذكار بأشكالٍ متعدّدة، فرديةً كانت أم جماعية. وهذا ما يُتعلَّم عبر طريقٍ صوفية، مثل الطريقة القادرية البودشيشية حيث يُلقَّى التعليمُ الراهن عبر هذه الطريقةِ القادرية التي أسّسها في القرن الثاني عشر مولاي عبدُ القادر الجيلاني (ومقامُه مشهورٌ جدّاً ببغداد) وكان أحدَ أولئك المعلّمين الروحيين الكبار. وهذه الطريقةُ تجدّد اليومَ هذا التعليمَ بطريقةٍ حيّةٍ مباشرة.
أيُّ أثرٍ على أهل الطريق في أن يعيشوا هذه المسعى الروحيَّ في اليوميّ، وكيف يوفّقونه مع متطلّبات الحياة الاجتماعية ؟
أظنّ أنّه في أيّامنا، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ليس ثمّة زمنٌ يمكن إعفاؤه من هذه الضرورة : ممارسةٌ روحية ضرورية. لأنّنا مستدعَون ومستدرَجون نحو شتّى التشتّتات، لدرجة أنّنا قد لا نكاد، في مجتمع اليوم، نصير إلّا نوعاً من «ليمونةٍ معصورة» بكلّ هذه الدعوات نحو أشكالٍ مختلفة من الاستهلاك. وفي النهاية نفقد روحَنا، لأنّ الاستمالةَ تُفقدنا هذا الوعيَ الداخلي، هذا الاختيارَ الداخلي، هذه الحرّيةَ الداخلية. فكونُنا نملك ممارسةً روحية يعيدُنا إلى هذه الحرّية أو هذا الاختيار، ويتيح ألّا نكون مجرّدَ خاضعين لهذه القوى المتعدّدة المتزايدةِ التعقيد، وليس أنها في ذاتها شرٌّ أصيل، لكنّنا نقول إنْ لم نُفلت منها صرنا لها بشكلٍ من الأشكال عبيداً، في حين أنّ الإنسانَ : وهذا معنى الإسلام نفسُه : لا يجب أن يكون عبداً لشيءٍ آخرَ سوى الله، أي للكائن الحقيقيّ، الكائنِ الأسمى الطاهر. وهنا معنى حرّيته الحقيقية ومسؤوليته الحقيقية. وبهذا المعنى أقول إنّ الحياةَ الراهنة تفقد معناها كلَّه إن لم تكن ثمّة ممارسةٌ روحية اليومَ ؛ أقول إنّه من الضروريّ والمحتوم أن نكون روحيّين اليوم، لأنّنا وإلّا لم نستطع أبداً أن نعيش حياةً حقيقيةً إنسانية، حياةَ نُضجٍ وتطوّرٍ شخصيّ، وأقول أيضاً حياةَ ازدهارٍ بوصفنا بشراً، إن فقدنا هذا البُعدَ الروحي. ويبقى أن نقول إنّ ذلك لا يُعطَى يقيناً بسهولةٍ أبداً : فلا شيءَ في هذا الميدان سهلٌ أبداً، وإن كان قد يكون بسيطاً لأنّ الأمرَ تحديداً تربيةٌ، نوعٌ من جهاد : وهذا معنى الجهاد الأكبر، أي الجهادَ الذي نشنّه على أنفسنا. فأعظمُ صعوبةٍ ليست غلبةَ الآخرين، بل غلبةَ ذواتنا. وهذا يستلزم إذن عملاً ما، انضباطاً داخليّاً ما، ممارسةً ما، لكنّ ثمرتَها أن تحرّرَنا وأن تجعلَنا أكثرَ سلاماً وأكثرَ سعادةً في النهاية. وفي هذا المستوى، عبر هذا العمل الذي نؤدّيه على ذواتنا، ثمّة بُعدٌ من معرفة الذات. فللتحرّر من ميولنا السيّئة ومقاوماتنا وقيودنا وحدودنا يجب أن نعرفَها، يجب أن نقدر على فهم ذواتنا وأن نرى أين تقع هذه القيودُ المختلفة، لنتجاوزَها فعلاً، ونلتفَّ عليها، ونمضيَ أبعد. وهذا ما يسمّيه الصوفيةُ «الحُجبَ» الشهيرةَ التي تفصلنا عن واقعنا الأعمق، أي «فطرتَنا»، طبيعتَنا الأوّلى الدينيةَ والروحيةَ طبيعيّاً، و«المسلمةَ» طبيعيّاً (بالمعنى اللغوي للكلمة)، كما يقول القرآن والحديث. وهذه الروحانيةُ لا تقطعنا مطلقاً عن الفعل في العالم، لأنّ مثلَ هذه الثنائيةِ المضادّة غيرُ موجودةٍ في تقليد الإسلام. وهذا هو ما يجب فهمُه حين يشدّد الإسلامُ على أنّ الدينَ «دينٌ ودنيا»، أو هذه الحكمةَ القائلة : «اعملْ لدنياك كأنّك تعيشُ أبداً، واعملْ لآخرتك كأنّك تموتُ غداً». وهذه المطالبةُ المزدوجة هي روحُ دين الإسلام ذاتُها، وروحُ سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهذا ما لا يجب نسيانه أبداً. فكما يُعلَم، كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يمارس، ليالِيَ بأكملها أو في جزءٍ منها، ممارسةً روحيةً شديدةَ الكثافة، وفي الوقت نفسه كان رجلاً غيّر، في بضعٍ وعشرين سنةً من دعوته، وجهَ العالمَ وأنجز ما لم ينجزْه بشرٌ. وهذا هو ما يجب أن نضعه في أذهاننا : أنّ هذا العداءَ الظاهر الذي يُذكر كثيراً بين الروحانية والزمنية هو تحديداً المعادلةُ التي حلّها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للإجابة عن متطلّبات زمننا.
الصوفيةُ يتحدّثون كثيراً عن «الوحدة العارفة». فهل يمكن بلوغُها عبر مسعى صوفيّ ؟
يجب الحذرُ من المصطلحات التي قد تحمل أحياناً على الالتباس أو تأويلاتٍ ملتبسة. ولا يجب أن ننسى أنّنا حين نتكلّم عن التصوف نتكلّم عن «تجربةٍ روحية»، وككلّ تجربةٍ، روحيةً كانت أم لا، يصعب دائماً نقلُها بالكلمات لأنها من المعيش الحميم. فالكلماتُ تخون دائماً وقد تحمل على اللبس. والمقصودُ حقيقةً هو بكل بساطة «التقرُّب» (من كلمة «المُقَرَّبين» في القرآن التي تعني المقرَّبين). و«التقرُّبُ إلى الله» يتمّ بهذا العملِ في التجرّد من كلّ هذه الخبث، من كلّ ما يشكّل هذه الحُجبَ في علاقتنا بالله. وكلّما كانت هذه العلاقةُ أشدَّ مباشرةً وحميميةً وصدقاً كُنّا أقربَ إلى الله. وثمّة أحياناً في بعض تعابير تجارب الصوفية تحقُّقٌ عميقٌ ولطيفٌ لهذه القُربى لدرجة الشعورِ بعلاقةٍ ذاتِ حميميةٍ شديدة. وهذا ما يمكن قولُه حين قيل، في مستوًى آخرَ، مستوى الأنبياء، عن إبراهيم إنه «خَليلُ الله»، «الصديقُ الحميم لله». فما الصديقُ الحميم إن لم يكن من يُقرَب بشدّةٍ ؟ وهذا هو المرادُ حين يتعلّق الأمرُ بـ«الأولياء». فقد قيل في القرآن عن «أولياء الله» : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي أولئك الذين أخذهم اللهُ في عهدٍ. و
هل في التصوف نساءٌ كثيرات، وهل يزدهرن فيه كما يزدهر الرجال ؟
كما جرى كثيراً في آيات القرآن، كلّما ذُكرت صفاتُ المؤمنين قيلت بصيغَي التذكير والتأنيث معاً (المسلمين والمسلمات، القانِتين والقانِتات…). وحتى إن استُعملت أحياناً بصيغة المذكّر فقط، كما في كلّ نحوٍ، فذلك يشمل أيضاً النوعَ المؤنّث كما المذكّر. وهذا التعبيرُ الثنائي «مذكّر-مؤنّث» نُزِّل بهذا الشكل إثر سؤالٍ (ككثيرٍ من الآيات التي نزلت في ظروفٍ مختلفة)، حين ذهبت امرأةٌ اسمها نسيبة مع جماعةٍ من النساء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لتسألَه عن مكانة النساء. فقالت الآيةُ صراحةً : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾… أي إنّ كلَّ ما يعني الرجالَ يعني النساءَ وبالعكس، في كلّ ما هو روحيّ. وهذا أيضاً ما ترجم في التاريخ : ففي التصوف كانت نساءٌ من مؤسِّساته، طبعنه بطابعٍ لا يُمحى، إذ هنّ إلى اليوم حاضراتٌ في الوعي الجماعي، عبر تعليمهنّ وشعرهنّ والكتب الروحية التي كتبنها والحكم، وعبر مراتبِ ولايتهنّ. ويمكن أن نذكر أسماءَ كثيرة، لكن من أشهرها : رابعةَ العدوية، وفاطمةَ النيسابورية، وآمنةَ الراملية، وغيرَهنّ. وهناك طبقاتٌ كاملة من الصوفية كانت مخصّصةً للنساء عبر القرون.
الممارسةُ الصوفية تحتاج هدايةَ شيخٍ للمريد. فكيف يُختار الدليل ؟
كلُّ شيءٍ يبدأ أيضاً ببحثٍ شخصي. وحين نجري بحثاً شخصيّاً نبدأ بأن نجد على دربنا جملةً من العلامات قد تكون أشخاصاً أو كتباً أو حِكَماً روحيةً تضيء لنا وجهاً أو آخرَ من وجوه مسألتنا، حتى اليوم الذي يقودنا فيه ذلك كلُّه إلى شخصٍ نعرفه معلّماً أصيلاً قادراً، كما يقول الصوفية، على أن يساعدَنا و«يأخذَ بيدنا» في الحياة. لكن يجب اليقظةُ في هذا الأمر، فلا يتعلّق الأمرُ مطلقاً بطائفةٍ منغلقةٍ على ذاتها أو تلقينٍ بأيّ شكلٍ كان، بل بتعليمٍ أصيل. وهو تعليمٌ يحوّلنا من وجهة النظر الروحية نحو مزيدٍ من النُّضج والحرّية والبصيرة. وكما قيل : «بثمارهم تعرفونهم»، والثمارُ هي هذه ! فثمارُ التصوف هي ثمارُ التربية الروحية للإسلام. ومنذ اللحظة التي نتلقّى فيها هذا النوعَ من التعليم نختبره في معيشنا الأحمّ، ونتيقّن أصالةَ هذا التعليم. ثم يصير ذلك مسارَ حياةٍ كاملة، معنى حياةٍ كاملة : أن نتلقّى هذه التربيةَ وأن نتحوّلَ في هذا الطريق.
نشرنا في عددَينا لأمس الجزءَ الأوّل من الحوار الذي أدلى به إلينا السيد فوزي سكالي، دكتور في الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا وعلوم الأديان، عن التصوف، على هامش الندوة المنعقدة بفاس غداً السبت تحت عنوان «التصوف في المجتمع المعاصر».
في هذا الجزء الثاني الذي ننشره اليومَ يستعرض السيد فوزي سكالي الطرقَ الصوفيةَ وسبلَ الإسلام الروحية.
إن كانت المسعى الصوفية عند البعض موافقةً للشريعة والسنّة، فماذا تقول لمن ينكرون هذه الموافقة فيما يتعلّق خصوصاً بالأحوال والحضرة والرقصات الوجدية، مصرّحين بأنّ النبيَّ لم يأذن قطّ بهذه الممارسات ولم يستهلّها ؟
ثمّة أخطاءُ في المنظور التاريخي وهي شائعةٌ في هذا المجال. فلو رجعنا، بالمعنى الشكليّ الصارم، إلى ما كان وحدَه في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لما كان يجب أن توجد كلُّ العلوم الأخرى : علمُ الحديث لا يجب أن يوجد لأنّه لم يأتِ إلّا بعدُ ؛ وعلمُ تفسير القرآن جاء بعدُ ؛ ونحوُ العربية الذي تطوّر فضلاً عن ذلك على أيدي غيرِ العرب ؛ بل حتى الفقهُ الذي تطوّر ويجب أن يتطوّرَ بلا انقطاعٍ عبر الزمن ويتّخذ أشكالاً متعدّدة تستجيب لمتطلّبات كلِّ مجتمعٍ وكلِّ زمنٍ المختلفة. ولهذا، بشكلٍ متزامن وللعصر نفسِه، وُجدت مدارسُ فقهٍ متعدّدة معترَفٌ بها كلّها على السواء وإن اختلفت : المذهبُ المالكيّ، والحنبليّ، والحنفيّ، والشافعيّ.
وعلى الرغم من أنّ هذه المدارسَ لا تحلّ المسائلَ بالطريقة نفسها، فإنها تعترف بعضُها ببعضٍ بوصفها متساويةَ الصحّة. وهذا التطوّرُ، لكون هذه الرسالةِ نفسِها كانت تنزل بحسب الظروف (أسبابَ النزول) : وهو ما لا يُنقِص شيئاً من قدسيّتها وأزليّةِ الكلمة الإلهية : هو علامةٌ بيّنة.
فهناك حصّةٌ من العرضية الاجتماعية والتاريخية تعلّمنا إيّاها «تربويّةُ» الرسالة.
وأمّا «الأحوالُ» الروحية، فحين كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة، يُروى أنّ أصحابَه كانوا يسمعون في صدره صوتاً كـ«أزيز المرجل»، وحين كان ينزل عليه الوحيُ كان ثمّة شيءٌ كـ«طنينِ النحل». وبديهيٌّ أنّ الوحيَ خاصٌّ بالنبي، لكنّ صلاةَ النبي كانت معيشةً بشدّةٍ فائقة على المستوى الباطن لدرجة إثارةِ هذا «الغليان» الذي، وإن كان محتوًى، كان يسمعه مَن خلفَ النبي. وكانت ثمّة أشكالٌ من الحال، مثلاً حين قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لسيدنا جعفر ابن أبي طالب (ابنِ عمه) : «أشبهتَ خَلقي وخُلُقي»، فكان الأخيرُ من فرحه أن رقص فرحاً على رجلٍ واحدة. ويجب أن نعرف الأثرَ الذي كانت كلماتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم تُحدثه في كلِّ صاحبٍ من أصحابه، لدرجة أنّ كثيرين من أصحابه، مباشرةً بعد وفاته صلّى الله عليه وسلّم، كانوا يعيشون ببساطة لأنّه قال لهم يوماً كلمةً أو أخرى صارت لهم غذاءً روحيّاً يحفظون شعلتَه بورع. وكلُّ هذه التجاربَ المعيشة حقائقُ من عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وكان يُقال عن أبي بكر إنّ في خدّيه ما يشبهُ خطَّين من كثرة بكائه. وهذا أيضاً شكلٌ من «الحال». وهذا المعيشُ القلبيُّ شيءٌ بالغُ الحضور والأهمية في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. غير أنّه في عصور «جدبٍ» باطنيّ جُعِل الإسلامُ شيئاً شكليّاً خارجيّاً محضاً : وهو ما كان بعيداً عن روح النبي : وقد ندّد به كبارُ العلماء كالغزالي وكثيرين غيره.
ووُضعت تعليماتٌ لإيقاظ هذا القلب، لإحيائه من جديد، وهذا معنى عنوان كتاب الغزالي «إحياء علوم الدين» أي إحياءَ قلبِ الدين. وعندئذٍ، بهذه الممارسات، يتفاعل القلبُ بطريقةٍ ما، فمن هنا الحضرةُ والأحوالُ الوجدية وما شابه… التي قد تفاجئ أحياناً في زمنٍ فُقِد فيه هذا البُعدُ، لكنها تشكّل حقّاً البُعدَ الأعمق والأهمَّ في الدين، الذي بدونه لا يمكن أن يكون الدينُ إلّا نظاماً شكليّاً بين أنظمةٍ أخرى ويفقدَ بُعدَه الروحي.
ومن الأحاديث التي شدّدت على هذا البُعد نذكر : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَىٰ صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَٰكِنْ يَنظُرُ إِلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»، وكذلك «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (وهو يرمز إلى القلب). وبعضُ الأحاديث يشير إلى أنّه ستأتي أزمنةٌ يُرى فيها كثيرون يصلّون بأشدّ صورةٍ شكليةٍ ملائمة، لكنّ ذلك في الحقيقة لن يكون بأيّ وجهٍ موافقاً لروحانيةٍ حقيقية.
ولهذا فالتصوفُ اليومَ ليس مجرّدَ شيءٍ هامشيّ يجب التفكيرُ فيه، بل يشكّل حقّاً قلبَ تقليد الإسلام. وحين يتعلّق الأمرُ بـ«العودة» إلى الإسلام، كما يُسمَع كثيراً، فلا يتعلّق الأمرُ بتخطّي التاريخ أو الرجوعِ بالزمنِ إلى الوراء (وهو أمرٌ مستحيلٌ بداهةً، ولا يوافق «سنّةَ الله»، القوانينَ التي سنّها الله…)، بل يتعلّق بالرجوع إلى قلب هذا التقليد الذي انطلاقاً منه يُعاش التقليدُ في معناه وأصالته الحقيقيين.
وهل الطرقُ كلّها التي تقول إنها صوفية هي كذلك حقّاً ؟
في الطرق الصوفية ما يقع لكلّ شيء. وفي النهاية جاء الإسلامُ لأنّ الله رأى أنّ انحرافاً ما قد ارتكبه البشر. والطرقُ الصوفية خاضعةٌ للقواعد نفسها : يمكن القول إنها بعد زمنٍ ما، حين تفقد حيويّاتها الأوّلى، قد تُضَلَّل وتُحَرَّف عن معناها. لكنّ هذا لا يعني أنّ الطريقَ نفسَها منقوضةٌ في ذاتها. فهو قانونُ انحطاطٍ لازمٍ لكلّ موجودٍ في هذا العالم. ولتبقى الطريقُ حافظةً معناها الأوّل يجب أن تُجدَّد وتُحيَى. وهذا ما يفعله أدلّاءُ الطرق الصوفية الذين يجدّدون بين حينٍ وحينٍ هذا التعليم. وهذا ما يُسمّى «التجديد». وهناك حديثٌ يقول : «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَٰذِهِ الْأُمَّةِ عَلَىٰ رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا». ولا يتعلّق الأمرُ بطبيعة الحال بتجديد الأسرار، لأنّ السنّةَ ثابتةٌ وساريةٌ مهما كان الزمن، لكنّ روحَ الدين هي التي تُجدَّد، الروحانيةَ.
وهذا فعلاً شيءٌ نفقده بسهولةٍ بالغة، لأنّه مسألةُ وعيٍ قد نملكه وقد لا نملكه.
ولنقدر على إحياء هذا الوعي يجب أن يكون ثمّة معلّمٌ قادرٌ عليه. ولكي يحدث هذا التعليمُ أثرَه يجب أن يعطيه شخصٌ هو نفسُه في هذه الروحانية. ومن هنا أهميةُ التعليمات الروحية ودورُها في تاريخ الإسلام كلِّه. ويمكن أن نذكر شخصياتٍ روحيةً كثيرة أدّت دوراً رئيساً : عبدَ القادر الجيلاني، وعبدَ السلام ابنَ مشيش، وأبا الحسن الشاذلي، وأحمدَ التجاني، ومولاي العربيّ الدرقاوي، وابنَ عربي، والروميَّ، وكثيرين غيرَهم… وفي النهاية هكذا تتحقّق حقيقةُ تعليمٍ روحيّ وأصالتُه، وهذا ما يميّز طريقةً عن أخرى : إلى أيّ مدًى تكون هذه الطريقةُ حيّةً راهنةً ذاتَ كفايةٍ روحية تامّة، قادرةً على نقل تعليمٍ روحيّ حقيقيّ ؟ فالفرقُ بين الطرق ليس شكليّاً، بل هو فرقُ درجةٍ في الحيوية.
فثمّة إذن طرقٌ، وإن تفقد حضورَ التعليمات الروحية التي أسّستها، تستمرّ في المحافظة على بُعدٍ ما يبقى «ثقافةً روحية» : وهذا ما يُسمّى طرقَ «التبرّك» : وثمّة الطرقُ التي لها هذا البُعدُ من الحضور والراهنية الواقعيّةِ تماماً في زمنٍ ما، والمنقولةُ عبر معلّمٍ وتعليمٍ روحيّين حيّين. وهذا ما يُسمّى طرقَ الاستهلال والتربية الروحية.
وعلى كلّ حالٍ، فالتصوفُ يتخلّل وقد تخلّل المناخَ العامّ لمختلف مجتمعاتِ الحضارة الإسلامية وثقافاتها. واليومَ يتّخذ بداهةً أشكالاً ليست أشكالَ الماضي، لكنها ليست أقلَّ ارتباطاً بتقليده. إنه تقليدٌ محيَّنٌ حيّ.
ما السبلُ الروحية الكبرى والحقيقية للإسلام في عصرنا، في المغرب وعبر العالم ؟
لا أستطيع الكلامَ إلّا عن تجربتي : أعرف أنّ الطريقةَ البودشيشية القادرية تعطي حالياً تعليماً في المغرب وفي العالم على السواء. وهي معترفٌ بها دوليّاً بوصفها من كبار الطرق. ولم يَثبُت في التاريخ مثالُ طريقةٍ بلغت هذه الدرجةَ من الانتشار والاعتراف إلّا اعتُبرت حقّاً بعدَ ذلك من كبار لحظات التصوف. وأظنّ أنّ هذا الإجماعَ حول طريقةٍ عنصرٌ حاسمٌ في اعترافها ودورها.
أجرى الحوارَ مارك بوديه.




