التصوف والألفية الثالثة، بقلم العربي رحيم

محاضرةُ الدكتور العربي رحيم في ندوة «التصوف والألفية الثالثة» التي نظّمتها الطريقةُ القادرية البودشيشية في الدار البيضاء ؛ نُشر النصُّ في صحيفة صباحِ الصحراء والمغرب*.*
في الندوة التي نظّمتها «الطريقة القادرية البودشيشية» مؤخّراً في الدار البيضاء حول «التصوف والألفية الثالثة»، تناول الدكتور العربي رحيم موضوعَ «التصوف والحداثة».
«ها نحن على أعتاب قرنٍ جديد، قال، بل على أعتاب ألفيةٍ جديدة نُقبِل عليها بشيءٍ من القلق، لكن أيضاً بالأمل !
فالقرنُ الذي انقضى ترك لنا إرثاً علميّاً وتقنيّاً هائلاً، وكمّاً ضخماً من المعارف، لكن أيضاً ترسانةً حقيقية من وسائل الدّمار والهلاك تكاد نِسبُها لا تُتصوَّر.
وعصرُنا يذكّرنا على نحوٍ غريبٍ بهذه الآية القرآنية :
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
فما هي إذن هذا الإيمانُ وهذه الأعمالُ الصالحة وهذا الحقُّ وهذا الصبرُ التي أشارت إليها هذه الآيات، والقادرةُ على إنقاذ البشرية ؟
إنّ التطوّرَ التقنيَّ الأقصى الذي بلغه العالمُ المتحضّر لا يمكن أن يبقى إلّا إذا اندمج في كونٍ روحيٍّ جامع. وإذا كان التصوفُ كان دائماً التعبيرَ الأسمى عن الروحانية في العالم الإسلامي، فيمكننا اليومَ أن نطرح السؤالَين الآتيين :
-
ما الذي يمكن أن يقدّمه التصوفُ في العالم الحديث ؟ وهل يمكنه أن يساعد إنسانَ القرن الحادي والعشرين على أن يعيش حداثتَه بانسجام ؟
-
هل ثمّة حداثةٌ في التصوف ؟ أي تجدّدٍ قادرٍ على مواءمة التصوف مع بنى مجتمعنا الراهنة ؟
ولنتمكّن من الإجابة عن السؤال الأوّل، لنحاول أوّلاً أن نرسم ملامحَ إنسان الألفية الثالثة وأن نصغيَ إلى تطلّعاته الحقيقية.
فالموجةُ التقنية العملاقة الراهنة اجتاحت العالمَ كلَّه، وطفحت حتى إلى أقصى أرجاء كوكبنا.
وهذه العولمة، بل هذه الكوننة، تدفعنا بلا رجعةٍ نحو تجانسٍ متزايدٍ، وأحياناً عنيفٍ، في حياتنا اليومية وفي إطار وجودنا.
فنحن نشهد توحيداً لمعايير مساكننا وشوارعنا ومدننا، توحيداً لمعايير ملابسنا وغذائنا.
والجنسُ البشريّ ينحسر إلى نموذجٍ واحدٍ ذي بنيةٍ جسدية شبهِ متطابقة، مهما كانت أصولُه وإطارُ عيشه.
فنحن ننجرف حتماً نحو فقدان الطبيعة، نحو محوِ الحضارات الكبرى وتشكيلِ مجتمعٍ موحَّدٍ بلا أيّ شخصية.
وهذه الرتابةُ المحيطة تتسلّل على مكرٍ إلى أعماق كيان الإنسان. فيجد نفسَه محروماً من حقٍّ أساسيّ : حقِّ المرجعيّات. فهو يحتاج إلى هويةٍ، إلى أن يعيد رؤيةَ وجهٍ حميمٍ، إلى أن يستعيد وجهَه الحقيقي !
إنه يبحث عن مرآةِ حقٍّ لا يجدها في أيّ مكانٍ حوله.
لأنّ مرآةَ الحقِّ هذه في الحقيقة موجودةٌ في أعماق الإنسان، صافيةً مشرقة، لكنّها مستورةٌ بحُجبٍ لا تُحصى : حجابِ حاجاتنا المضاعفة، حجابِ شهواتنا المُثارة، حجابِ كلّ أصناف المعلومات التي تحاصر أدمغتَنا كلَّ يوم.
بينما تطلّعُنا الأشدّ لهباً هو تلك السكينةُ الداخلية، تلك الصفاءُ، ليهدأ محيطُ كياننا فنقدر على أن نرى فيه بوضوح، وأن نتبيّن فجرَ حقٍّ تنزع إليه أرواحُنا ونفوسُنا.
لكنّنا أكبرُ بكثيرٍ من ذلك ! فنحن، البشرَ الحداثيّين، نعدّ حالاتِ النفس ضعفاً، في عالمٍ يلزم أن نظهر فيه دوماً أقوياءَ قساةَ الحسّ.
فنحن نكسو شخصيّتنا درعاً حقيقية تعزلنا، لكنها أيضاً تثقلنا !
ومع ذلك يكفي القليلُ لنزدهر : يكفي أن نعترف بصدقٍ بضعفنا بوصفنا بشراً، وأن نصغيَ في داخلنا إلى ذلك الصوتِ الخافت الذي ينادينا ! لنجد أنفسنا كأنّ بسحرٍ عند مدخل الطريق : طريقِ النجاة. طريقِ الحقّ، الطريقِ الروحية !
لكن كيف نتيقّن أنّ التصوفَ تحديداً هو طريقُ النجاة ؟
أوّلاً بالنظر إلى ما مثّله على امتداد تاريخ الإسلام، ثم بملاحظة كيف يُعاش في العالم المعاصر. فعلى المستوى التاريخي، ما أكثرُ المؤلّفات نشراً وارتياداً والباقيةَ ساريةً إلى اليوم، إن لم تكن الكتبَ التي خلّفها كبارُ شيوخ الصوفية ؟
ومَن هم أولئك الرجالُ الذين قنّنوا أوجهَ قراءة القرآن المختلفة، وأرسَوا المذاهبَ في الإسلام، وجمعوا أحاديثَ النبي، إن لم يكونوا الأئمةَ والشيوخَ الصوفية ؟
وأخيراً، في أيّامنا، يجب أن نبحث عمّن استطاع الاستمرارَ في طريق الأصالة هذه، مَن يعمل العمرَ كلَّه ليعلّمنا كيف لا نحتفظ من ذواتنا إلّا بأفضلها، ومَن هو نفسُه مُعجونٌ بأنبل الصفات، لنفهم ما هو في الحقيقة شيخٌ صوفيّ.
وأحياناً يكفي أن نلقاه أو أن يتقاطع نظرُنا بنظره…
حين سُئل النبيُّ مَن هم الأولياءُ أجاب :
«هم الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله».
وأخيراً، يمكن أن نحكم على شيخٍ بفعله… بأن نصغيَ إلى شهادة كلّ من حوله، فنقدّر هكذا فعليّاً كلَّ قوّته الروحية.
لكنّ خيرَ طريقةٍ للتحقّق والاقتناع الكامل أن نجرّب ! يجب خوضُ التجربة !
ففي مجتمعنا الراهن الموجَّه نحو الاستهلاك اعتمد الإنسانُ الحديثُ مبدأً صار مقدَّساً : ألّا يؤمن إلّا بشيئين : ما جرّبه بنفسه وما ذاقه واستهلكه.
والتصوفُ تحديداً ممارسةٌ، تجربةٌ معيشة على مستوى الفرد، في أعمق حميميّةٍ من كياننا… لكنها أيضاً تجربةٌ تمنح ذَوقاً ! وهذا الذوقُ هو الذي يدفعنا إلى الالتزام والمضيِّ أبعدَ في الطريق.
وهذا المسارُ المُنير، إن استثمرّنا فيه بصدق، يمكن أن يفتح لنا آفاقاً ذاتَ غنًى استثنائيّ… في ميدان المعرفة كما في ميدان العافية، في كلّ جوانب فرديّتنا.
وندرك أكثرَ فأكثرَ أنّ هذا المسارَ إنّما يُنجَز نحو المبدأ الإلهيّ !
تنعّمٌ أسمى ! الغايةُ الأخيرة التي يتوق إليها كلُّ مريدٍ للتصوف عبر فنائه، في ذروة أذكاره !
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
وهذا التحوّلُ المعجِز في طبيعة الإنسان، الذي يحدثه التصوف، يمكن أن يقع حتى لو كان المريدُ في البدء ذا بُعدٍ دينيٍّ ضئيلٍ أو ظاهراً معدوماً. شرطَ أن يكون عطشُ روحنا معبَّراً عنه كفايةً، وإصغاءُنا منتبهاً كفايةً.
ويبقى أن يكون المددُ منشّطاً وغزيراً كفايةً ليقدر على أن يعيد إرواءَ هذه القلوبِ التي جفّفها تطرّفُ مادّيةِ الأزمنة الحديثة.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وهكذا، في أيّامنا، استطاع بشرٌ بفضل التصوف أن يذوقوا ثمارَ الروحانية، ثم ثمارَ إيمانٍ ناشئٍ، إيمانٌ يرويه الذكرُ ببراعةٍ فيتقوّى ويزرع فينا فضائلَ لا يخطر لها بال.
فيتحرّر المريدُ تدريجيّاً، وكأنّه بالنفور، ممّا هو محظور، وينصاع بانجذابٍ واستمتاعٍ إلى كلّ ما هو مأمورٌ به.
ثم يتطوّر المريدُ كيرقةٍ في شرنقتها تتحوّل فراشةً، ستُفقَس قريباً وتطير نحو النور. وسيكون نورُ المريد نورَ الإسلام !
﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾.
وهذا التطوّرُ العفويُّ من نفسٍ كانت منغلقةً إلى التقوى والعبادة، عبر التصوف، هو خيرُ برهانٍ على أصالته وعلى الدور الذي يمكن أن يؤدّيَه في الأزمنة الحديثة.
لكن لعلّه يمكن الاعتراضُ بأنّ في العالم الراهن ليس هناك فقط ضالّون، وليس هناك فقط عناصرُ حيّةٌ خارجَ كلِّ سياقٍ دينيّ. فشرائحُ كاملة من سكّان العصر الحديث تعيش متزامنةً في الحداثة التقنية وفي حميميّة حياةٍ دينية يلتزمون بكلّ ضوابطها بدقّة.
فهل يمكن حينئذٍ أن نقول إنّهم لا يحتاجون التصوفَ البتّة، ما داموا يؤدّون واجباتهم الدينية كلَّها بضمير ؟
فأداءُ الفرائض ليس إلّا قاعدةَ نظام العبادة ! الحدَّ الأدنى المطلوب ليُدّعى الانتماءُ إلى الأمّة الإسلامية. أليس قد قيل في القرآن : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ؟
وكما جاء في حديث جبريل النبويّ المشهور، تتوزّع العبادةُ على ثلاث مراتب : مقامِ الإسلام، ومقامِ الإيمان، ومقامِ الإحسان. بعبارةٍ أخرى :
- مستوًى أوّلُ يقابل التوافقَ مع أركان الإسلام،
- والمستوى الثاني هو مرتبةُ الإيمان الصادق، تلك القناعةُ الحميمة العميقة التي يُحَسّ تقلُّبُ شدّتها بحسب الأيّام والظروف. وهي الشعلةُ التي يجب تغذيتُها وتقويتُها دائماً،
- والمستوى الثالث هو مرتبةُ استكمال الإنسان، مرتبةُ كماله المتزايد وحُسنِ أعماله.
فممارسةُ التصوف، بتأجيجها شعلةَ الإيمان بالذكر، تتيح للمؤمنين تعميقَ أداء شعائرهم وتمنحها بُعداً من الداخلية… فالتصوفُ يجمع الجوهرَ والشكلَ !
فلا تعود الممارسةُ الدينية محضَ واجبٍ، بل تصير تعاقباً من النِّعَم المعيشة، امتلاءً !
فيجد المؤمنُ نفسَه، حين شعائره، في سكينةِ هالةٍ خاصة تُشرق عليه وتدفّئ قلبَه. فيدرك أكثرَ فأكثرَ حميميّةً عظمةَ ربّه ومجدَه ويحسّ قُربَه.
وفي هذه اللحظات الذروية، حين يصير الإيمانُ متوهّجاً، تتقابل المراتبُ الثلاث (الإسلام والإيمان والإحسان) وتتداخل لتنزع وتذوب نحو غايةٍ واحدة ! مثالِ وحدانية ! الوحدانية مع الخالق ومع خلقه ! كما يلتحم الظلُّ بنوره ! أو لعلّه كنورٍ من خلال النور.
فهذا الإسلامُ ذو المدد القويّ المُسكِر هو ما بثّه النبيُّ حوله، فحمل بسرعةٍ ولاءَ القبائلِ المواليةِ والمتمردةِ في عصره.
وهذا المددُ نفسُه هو المنقولُ جيلاً بعد جيل، عبر أصحاب النبيّ ثم عبر الأولياء حتى أيّامنا، مانحاً الإسلامَ كلَّ حيويّته.
وهذا الإسلامُ هو الذي في القرون والألفيات الآتية سيتيح للإنسان أن يبقى في انسجامٍ مع نفسه ومع كونه.
فالإنسانُ الحديث المُعجون بهذا الإسلام النابضِ المستنير، كما يكون من يستهلّه التصوفُ، يمكنه إذن أن يبقى فاعلاً كلّيّاً في العالم المخلوق وفي الوقت نفسه أن يتزوّد باستمرارٍ ويتوجّهَ نحو خالقه.
يمكننا الآن أن نجيب عن السؤال الثاني الذي طرحناه في البدء : هل في التصوف عنصرُ حداثة ؟ هل يتطوّر مع الزمن أم يبقى تخصّصاً أصيلاً جامداً يفرض نمطَ حياةٍ ذا قواعدَ صارمةٍ ثابتة ؟
لكن أوّلاً، أيّ صورةٍ يمكن أن نحمل اليومَ عن التصوف عبر كلّ وسائل الإعلام التي تحيط بنا ؟ وكيف يتصوّره ذهنُ الإنسان الحديث ؟
بعضُهم يعدّ التصوفَ فلسفةً أو شكلاً من الثقافة طبع القرونَ الإسلامية الأُولى. وآخرون يعدّونه ملاحمَ أسطورية تشهد لها تلك القصائدُ الغنائية القديمة الجميلة أو تلك الرقصات التي صارت فلكلوريةً بعضَ الشيء. وعلى كلّ حالٍ، غالباً ما نكاد نتيقّن أنه تيّارٌ لم يعد موجوداً أو لا يجب أن يوجد، لكنّنا نوقّر أسماءً مشهورة كالجنيد وجلالِ الدين الرومي وابنِ عربي.
وأحياناً يُتصوَّر الصوفيةُ كالهامشيّين الذين يتخلّون عن الأموال والأُسَر ليعيشوا نسكاً في العزلة فوق جبلٍ أو هائمين في الصحارى. ومع ذلك فالتصوفُ ما زال هنا ! حيٌّاً يمنح الإسلامَ بُعدَه الروحيَّ كلَّه.
وهو يتطوّر ويتحدّث باستمرار، حاملاً علاجاتٍ خاصةً لكلّ عصر.
«الصوفيُّ ابنُ وَقتِه». أي إنّ الصوفيّ يعيش في معاصرته.
والتصوفُ هو العنصرُ الوحيد القادر على أن يمنح الدينَ معاييرَ من القابلية للتغيّر تكيّفه مع كلّ العصور.
صحيحٌ، كان للتصوف زمنُه الذي كانت فيه الخلواتُ الروحية إلزامية.
فالغزاليُّ، على علّميّته ومكانته، قضى أكثرَ من عشر سنواتٍ في خلوةٍ روحية.
وكان ذلك الزمنُ الذي كان فيه الصوفيةُ ينسلّون كلّيّاً من محيطهم ليعيشوا في أبسط الشروط، وأحياناً في أشدّ الافتقار. وكان حالَ رابعةَ العدوية التي نعرفها جميعاً، التي اختزلت حياتَها إلى أبسط صورها لتتفرّغ كلّيّاً للعبادة.
وفوق ذلك، كانت الطرقُ الصوفية القديمة تبني تعليمَها على قواعدَ شديدةِ الصرامة، وتفرض أحياناً على المريدين مِحَناً قاسيةً جدّاً لاختبار صبرهم وتواضعهم.
وهكذا أُلزم كبارُ أعلام التصوف، في بداية استهلالهم، بأن يذهبوا يسألون الصدقةَ على أبواب الأسواق على سبيل الامتحان.
لكن في أيّامنا، في هذا العالم السريعِ المتسرّع، الإنسانُ في ضلاله نفاذُ الصبر بشدّة، ومطالِبٌ بشدّة ! فسهّل اللهُ في رحمته اللانهائية شروطَ هذا التعليم الروحي إلى أقصى حدّ.
فلم نعد نحتاج أن نبحث بيأسٍ عن دليل، ولا أن نسعى وراء الطريق : فالطريقُ هي التي تأتي حتى أبوابنا. شرطَ أن نقدر على معرفتها !
والطريقةُ القادرية البودشيشية هي التي افتتحت هذا العصرَ من بساطة التصوف : أوّلاً مع الشيخ الحاجّ عبّاس، ثم مع سيدي حمزة دليلِنا الحالي.
فقد انتقلنا من تصوفٍ مبنيٍّ على الصرامة إلى تصوفٍ مبنيٍّ على اللطف والرِّقّة.
ولا يتعلّق الأمرُ مطلقاً بتصوفٍ تقريبيّ أو من الدرجة الثانية، بل بكل بساطةٍ بتغييرٍ في المنهجيّة ألهمه القديرُ لأوليائه لاستهلال تصوفٍ أعظمَ بعدُ ! لأنّه يعمل في ظروفٍ بشريةٍ استثنائيّةِ الظُّلمة.
فاليومَ يمكن للمريد أن يعيش حياةً أُسريّةً عادية، ونشاطاً مهنيّاً عاديّاً، وينعم عادياً بحياته وأمواله، مع البقاء بديهيّاً في حدود المشروعية التي رسمتها الشريعة.
لكن بالمقابل، فمبدأُ النسبية هو الذي يؤدّي الدورَ الجوهريّ في هذا النوع الجديد من التعليم الصوفي : إعادةُ ضبطِ سلّمِ قيمنا العامّ.
فالعلاقاتُ والأموالُ المادّية والمسيراتُ المهنية تفقد دلالتَها الأولية، حصّتَها المتضخّمةَ بين أولويّاتنا. فلا تُقدَّس بعد الآن. بل نعطيها موضعاً نسبيّاً جدّاً بالقياس إلى ما يشغلنا اليومَ أكثرَ من كلّ شيء : روحُنا !
فيمكن فعلاً أن يكون المرءُ غنيّاً وأيضاً بالغَ البساطة، ممتلئَ التواضع، فقيراً في قلبه، كما يمكن أن يكون محدوداً مادّيّاً لكنّه متسلّطٌ مولَعٌ بالمال كلّيّاً.
ويمكن أن يعيش المرءُ في صحراءَ ويكون ذهنُه مشتّتاً كلّيّاً، عرضةً للأحلام والأوهام الأشدّ خبثاً، كما يمكن أن يعيش في الزحام وفي مجهوليّة الحشد وهو باقٍ في التجرّد وسكينةِ الروح.
وأعظمُ الفضل (إن كان يمكن نسبةُ فضلٍ إلى صوفيّ) هو تحديداً القدرةُ على مواجهة اليوميّ وكلِّ شدائده المادّية مع البقاء في نظامٍ فرديٍّ مقدَّسٍ نقيّ، في أمانٍ تامٍّ في تلك الفقاعةِ غيرِ المرئية التي هي الروحانية. كان الحاجُّ عبّاس يقول : «خلوةُ المريد في قلبه !»
ومن جهةٍ أخرى، كان الوصولُ إلى الطريق الصوفية في القرون الغابرة انتقائيّاً جدّاً : كان المريدون يجوبون العالمَ بمشقّةٍ سنواتٍ على أمل لقاء شيخٍ روحيّ، وأحياناً بلا جدوى. فالشاذليُّ رحل حتى مصرَ قبل أن يدلَّه رجلٌ مستنير على أنّ الشيخَ الذي يبحث عنه كان في بلده الأصليّ، في المغرب حيث تركه. ويتعلّق الأمر هنا بمولاي عبدِ السلام ابنِ مشيش الذي كان فضلاً عن ذلك مريدَه الوحيد.
وفوق ذلك، كان التعليمُ الصوفي ثميناً جدّاً : لم يكن يُلقَّن إلّا لمؤمنين مكتملين ذوي تكوينٍ متينٍ جدّاً في العلوم الإسلامية، وكان يجب أن يكونوا فوق ذلك ذوي أخلاقٍ عاليةٍ جدّاً مقترنةً بتواضعٍ أقصى. لأنّ الشيخَ في ذلك العصر كان هو أيضاً في بحثٍ دائمٍ عن مريدٍ جديرٍ بهذا الاسم، ينقل إليه تعليمَه، ولعلّه أيضاً خِلافتَه !
وحين كان المريدُ ينجح أخيراً في إيجاد دليلٍ لم يعد يقدر على مفارقته ! فواجبُه الأوّل أن يعتني بشخص الشيخ باستمرارٍ حتى أدقّ تفاصيل حياته اليومية. وأمّا اليومَ فما يميّز طريقتَنا أيضاً غزارَتُها : فالمريدون فيها يُعدّون بالآلاف، موزّعين على كلّ القارّات. وبعضُهم لم يعرف شيئاً عن التصوف ولم يخطر بباله حتى وجودُه.
فقد وجدوا أنفسهم في الطريق بأسعد المصادفات : لأنّهم بكل بساطة كانوا في طلبٍ صادقٍ للحقّ. فهداهم اللهُ إذن نحو الطريق الأنسبِ لاكتشافه. ومن جهةٍ أخرى، لا تتضمّن العلاقةُ بين الشيخ والمريد اليومَ أيّ صرامةٍ أو بروتوكولٍ خاصّ، بل يُخيَّل أحياناً أنّه يدلّل مريديه ويداعبهم. فهو يعرف أنّ مِحَنَهم هي تلك التي يعانونها في حياتهم اليومية بكلّ قيودها وفتنها. وللدليل فنُّ خلقِ أوضاعٍ شبهِ افتراضية تشكّل في الحقيقة مِحَناً لا تكاد تُحَسّ، مِحَناً تجري في الخفاء اللطيف ومع ذلك لها أثرٌ حادٌّ على الأنا وعلى تطوّر المريد.
والتعليمُ نفسُه بسيط : لا يطلب أيّ شرطٍ مسبَق، ويتمحور حول تقنياتِ ذكرٍ يسيرةِ التطبيق وهي علاجٌ حقيقيّ للنفس.
فيمكن إذن أن نقول إنّ التعليمَ الصوفيَّ تطوّر نحو البساطة والحداثة، وأنه مواءَمٌ تماماً لعصرنا لأنّه منفتحٌ متسامح. وهو تعليمٌ عمليّ، تجربةٌ فردية تلد ذَوقاً لطيفاً منشّطاً، علاجاً حقيقيّاً للعافية يحرّرنا من كلّ تعلّقٍ مصطنَع ويتعالى بنا. وهذا التحوّلُ النافع، إذ يقع على الفرد بوصفه عنصراً، يمكن أن يُشرق بالتجاور فيبلغ محيطَه ثم النسيجَ المختلف للمجتمع.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
لكنّ الغايةَ الأخيرة في مكانٍ آخر : إنها التوجّهُ نحو المبدأ الإلهيّ وطلبُ قُربِ الله سبحانه».
الدكتور العربي رحيم
صباح الصحراء والمغرب، الجمعة 31 كانون الأوّل 1999 - العدد 10.571




