آيا صوفيا : نورٌ وذاكرة وحفظُ المقدَّس

المحتويات
آيا صوفيا في إسطنبول

التفكّر، التأمّلُ المفكّر في آيات الله، كثيراً ما يعني اكتشافَ روابطَ حيث لا يرى النظرُ العاديّ إلّا وقائعَ منفصلة. وبعضُ الآيات، مقروءةً منفردةً، تبدو كأنها تتكلّم عن مواضيع مختلفة. لكنها حين تُقرَب تكشف أحياناً عن اتساقٍ غيرِ متوقَّع وتفتح فهماً أعمقَ للتاريخ.

وهكذا حالُ ثلاثةِ مقاطع من القرآن تذكر تباعاً حفظَ الأماكن التي يُذكَر فيها الله، ثم النورَ الإلهي، ثم البيوتَ المرفوعةَ لذِكره.

أماكنٌ يُذكَر فيها اسمُ الله

«وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (الحجّ 40)

وهذه الآيةُ جديرةٌ بالملاحظة لكونيّتها. فالقرآنُ لا يذكر فيها حفظَ المساجد فحسب، بل حفظَ كلِّ الأماكن التي يُذكَر فيها الله. فالصوامعُ والبيعُ والصلواتُ والمساجدُ موضوعةٌ كلُّها في المنظور نفسِه : منظورِ فضاءاتٍ تبقى فيها ذاكرةُ الإلهيّ حيّةً في قلب التاريخ الإنساني.

لكنّ الآيةَ تقول أيضاً شيئاً آخر : إنها تلمّح إلى أنّ النزاعات وتبدُّلاتِ السلطة وقلائبَ التاريخ ليست قوى هدمٍ فحسب. بل يمكنها أن تصير، على نحوٍ مفارِق، أدواتِ حفظ. فاللهُ «يدفع الناسَ بعضَهم ببعض»، ومن خلال هذه الحركة المعقَّدة تستمرّ أماكنُ معيّنة في الوجود.

نورٌ على نور

«اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ» (النور 35)

ثم تواصل الآيةُ وصفَ هذا النور :

«تُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ»

وفوراً بعدها يضيف القرآنُ :

«فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» (النور 36)

ومأخوذةً معاً، ترسم هذه الآياتُ رؤيةً آسرةً للمقدَّس في التاريخ. فبعضُ الأماكن تُرفَع للذكر وتصير وعاءَ نورٍ وتعبر القرونَ لأنها تشارك في ذاكرةٍ تتعالى على الحضارات ذاتِها.

فيصعبُ ألّا يفكر المرءُ حينها في آيا صوفيا.

مدينةٌ بين عالمين

فهي المبنيّةُ في القرن السادس بأمر الإمبراطور جستنيان ليست بناءً بين بناءات. بل صُمِّمت الرمزَ المرئيَّ لرسالةٍ إمبراطورية كونية، مخصَّصةً لتأكيد مركزية القسطنطينية الروحية والسياسية في وجه روما. ومنذ نشأتها كانت تسجَّل في تاريخٍ يتجاوز الإطارَ المحلّيَّ كثيراً.

والتفكّرُ يبدأ أحياناً بدهشة. فكيف لا نُدهَش بالصدى الذي تجد هذه الآياتُ على ما يبدو في إسطنبول ؟ فالقرآنُ يتكلّم عن نورٍ صادرٍ عن شجرةٍ «لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ»، ثم عن بيوتٍ مرفوعةٍ للذكر الإلهي. وها هي مدينةٌ موضوعةٌ بدقّةٍ بين أوروبا وآسيا، بين عوالمَ وإرثاتٍ وذاكراتٍ شتّى.

وهذه المراسلةُ ليست برهاناً ؛ إنها علامةٌ تدعو إلى نظرةٍ أخرى.

فإسطنبول، الواقعةُ على ضفّتَي البوسفور، وريثةُ العوالم اليونانية والرومانية والبيزنطية والعثمانية، تبدو منذ قرابة ألفَي سنةٍ مكانَ عبورٍ بين عدّة أكوان. وهي شرقيةٌ وغربيةٌ معاً دون أن تنحصر في أيٍّ من الفئتين.

وفي قلب هذه المدينة تقوم آيا صوفيا. ونورُها وقبّتُها وتاريخُها يبدو كأنه يردّد صدى الآيات التي تقرن النورَ الإلهيَّ بالبيوت المرفوعة لذكر الله. وكأنّ العمارةَ نفسَها تصير تأمّلاً من حجرٍ في لقاء النور والذاكرة والذكر.

وتتقوّى هذه الرمزيةُ بتجربة المكان ذاتِها. فمنذ نشأتها صُمِّم البناءُ ليدخل النورَ في قلب الفضاء المقدَّس. وتبدو القبّةُ كأنها تطفو فوق الفراغ بينما تُحدِث الفتحاتُ انطباعَ صفاءٍ يكاد لا يُصدَّق. وقبل المناقشات الدينية والسياسية بكثير، يمسّ هذا النورُ شيئاً كونيّاً عند الزائر.

حفظٌ مفارِق

والأدهى ربّما أنّ آيا صوفيا لا تكتفي بتجسيد إحدى هذه الآيات. بل يبدو كأنها تجمعها كلَّها : فهي بيتٌ مرفوعٌ للذكر، وقد صُمِّمت حول النور، وتاريخُها مثالٌ آسرٌ لذلك الحفظ المفارِق الذي تذكره الآيةُ 40 من الحجّ.

فبعد أن كانت أكبرَ كنيسةِ المسيحية الشرقية قرابةَ ألفِ سنة، صارت مسجداً عند فتح القسطنطينية سنة 1453. وهذا الحدثُ يتجاوز كثيراً تاريخَ المدينة ذاتِها : ففي التأريخ الكلاسيكي يسجّل سقوطُ القسطنطينية أحدَ أعظم منعطفات التاريخ العالمي، نهايةَ العصور الوسطى والدخولَ في العصر الحديث. ثم صار المَعْلَمُ متحفاً في القرن العشرين، قبل أن يعود مسجداً في القرن الحادي والعشرين.

ويمكن أن نرى في هذا التاريخ سلسلةَ قطائع. لكنّ نظرةً أخرى ممكنة : فمع كلّ هذه التبدُّلات لم تكفّ آيا صوفيا قطُّ عن اعتبارها مكاناً استثنائيّاً. لقد اعتُنِيَ بها وصُونِت ونُقِلت جيلاً إلى جيل.

ومن هذه الزاوية تبدو آيا صوفيا أحدَ أشدّ الأمثلة التاريخية إدهاشاً للآية القرآنية. فحيث كان يمكن انتظارُ الزوال أو المحو، يصير التاريخُ، على نحوٍ مفارِق، أداةَ حفظ. وتسهم القطائعُ ذاتُها في إبقاء حيٍّ مكانٍ يواصل فيه اسمُ الله أن يُذكَر.

لماذا نحفظ التراث ؟

ويلتحم هذا التأمّلُ فضلاً عن ذلك بسؤالٍ شديد الراهنية : لماذا نحفظ التراث ؟

فاليومَ تتكلّم المؤسساتُ المكلَّفة بحفظ الآثار التاريخية عن ذاكرةٍ أو تاريخٍ أو إرثٍ مشترك. لكنها تشترك غالباً في الحدس نفسِه : بعضُ الأماكن تحمل شيئاً ثميناً يستحقّ أن يُنقَل.

فحفظُ مَعْلَمٍ ليس صيانةَ حجارةٍ فحسب. إنه إبقاءُ حيٍّ رباطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل.

والقرآنُ يدعو الإنسانَ بلا انقطاع إلى تأمّل آيات الله في الخلق ؛ وبضوء هذا التأمّل يكتسب تاريخُ آيا صوفيا عمقاً خاصّاً. فهي المبنيّةُ لتأكيد رسالة القسطنطينية الكونية، والمحوَّلةُ في الحدث الذي يسجّل رمزيّاً الانتقالَ من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، والمحفوظةُ عبر إمبراطورياتٍ وحروبٍ وتبدُّلاتِ حضارةٍ ودين، تبدو كأنها تتبع مساراً يتعالى على مقاصد الذين بنوها أو فتحوها أو حكموها تباعاً.

ويمكن للمؤمن عندها أن يميّز فيها شيئاً من فعل ذاك الذي يبقى الفاعلَ الحقيقيَّ الوحيدَ في التاريخ. فالناسُ يتّخذون قراراتٍ ويطلبون مصالحَهم ويدافعون عن قضاياهم ؛ ومع ذلك يُنشَر أحياناً عبر أفعالهم اتساقٌ أوسعُ ممّا يدركونه هم أنفسُهم. فما بدا قطيعةً يصير أداةَ استمرار، وما بدا يُنذِر بزوالٍ يصير وسيلةَ حفظ.

وهذا الحدسُ لا يخلو من تذكيرٍ بتأمّلات ابن عربي، الذي يتجلّى عنده الحقُّ الإلهي في أشكالٍ متعدّدة دون أن ينحصر في أيٍّ منها.

فتصير آيا صوفيا حينها أكثرَ بكثيرٍ من مَعْلَم : تصير علامةً. علامةً على تلك الحكمة التي يحفظ اللهُ بها ما يشاء أن يحفظ، أحياناً بطرقٍ لم يكن أحدٌ ليتنبّأها. فما بدا يُنذِر بزوالٍ يصير أداةَ استمرار ؛ وما بدا قطيعةً يصير وسيلةَ نقل ؛ وما بدا أوّلاً مجرّدَ سلسلةٍ من الأحداث التاريخية يكشف شيئاً فشيئاً عمقاً خفيّاً.

وهكذا تبدو آيا صوفيا أحدَ أشدّ الأمثلة إدهاشاً للآيات القرآنية عن النور والبيوت التي يُذكَر فيها الله وحفظِ المقدَّس. فعبر تحوّلاتها المتعاقبة تشهد على واقعٍ أعمق : فالتاريخُ لا يحفظ المقدَّسَ دائماً رغمَ التحوّلات ؛ بل يحفظه أحياناً عبرَها.

وهنا تحديداً يبدأ التفكّر : حين يكفّ التاريخُ عن أن يكون إنسانيّاً فحسب ليصير المكانَ الذي تُلمَح فيه آثارُ الفعل الإلهي.

لقراءة المزيد