أولياء الإسلام أبناء النبيّ : الولاية المحمدية
المحتويات

حين أخبر محمدٌ أصحابَه بانقضاء النبوة قال لهم في معنى كلامه : «لكن بقيتَ لكم المبشّراتُ : وهي الرؤيا يراها المسلمُ، وهي جزءٌ من النبوة» (الترمذي). فالأحلامُ والرؤى والكشوفاتُ الروحية أصداءُ رسالةٍ تدهش، وإن خُتِمت في مضمونها، بقدرتها الفذّة على التجدّد. فالكلمةُ المنفوخةُ في قلب محمد تصير قرآناً، أي «تلاوة»، والأمرُ ﴿قُلْ﴾ يفتتح سوراً بعينها. والصوتُ بطبيعته ليس جامداً : بل هو هنا، متجدّدٌ بلا انقطاعٍ بترتيل المؤمنين وأذكارهم. والحديثُ هنا عن واقعٍ حيّ : في ينابيع الإسلام، سيعيش رجالٌ ونساءٌ، مستلهَمون على نحوٍ خاصّ في أعماقهم بمثال النبيّ، تجربةً باطنية لا توصَف. وسيبلور التصوفُ هذه التجاربِ طرقاً للتحقيق الروحي. «أن تكون صوفيّاً» يقول لنا إريك جوفروا «هو أن تتبع الطريقةَ المحمدية».
نموذج الولاية
فالولايةُ في الإسلام ليست تتويجاً بعد الوفاة لحياةٍ فاضلةٍ تقيّة : بل تعني خاصّةً منّةً تُعطى لقلةٍ ليقتربوا، في حياتهم عينِها، من طبيعتهم الإلهية. وتأخذ هذه المِنّة أصباغاً متعددة، لكنّ حقيقتَها قد تُعرَف أحياناً معرفةً تامّةً عفويّة، على مثال ما كانت عليه ولايةُ محمد. وكان مولانا الرومي، الوليُّ مؤسِّسُ الدراويش الدوّارين، يكتب أنّه «حين يقيم في قلب جماعةٍ ذوقٌ روحي من الله، صار وجهُ النبيّ وصوتُه كالمعجزة المقيمة برهاناً».
فمحمدٌ إذن نموذجُ الولاية : هو الذي، مجرَّداً من أسره الخاصة وأحجبةِ فرديّته، استقبل في ليلة القدر (ليلة القدر، السابعةَ والعشرين من رمضان) نزولَ الكلمة الإلهية. وسموّ سلوكه الكمال على نحوٍ استثنائي، قبل الوحي، شاهدٌ أنه كان مقدَّراً قَدَراً أن يتلقّى نزولاً كهذا. «لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة» قال القرآن (الأحزاب، 33:21). وهو بنفسه سيشير : «إنما بُعِثتُ لأُتمّ مكارمَ الأخلاق وأُكمِلَ محاسنَ الأفعال». وهذه الكلمةُ الإلهية، رسالةُ حبٍّ إلى البشرية جمعاء، هي آخرُ سلسلة الوصايا التي أوصى بها اللهُ نسلَ إبراهيم، ليعود الإنسانُ ما هو عليه ويسترجعَ حقيقةً تُذكَّر له على مدى الوحي. والموافقةُ لهذه الكلمة الصائرةِ كتاباً بأكبر قدرٍ ممكن هي الموافقةُ لتوازن ناموس الكون، للحقيقة الذاتية لكلّ مخلوق. وهي أيضاً أن نتذكّر أنّ كلَّ كائنٍ يشاطر أخوّةً كونيةً واحدة.
«أهل الصفّة»
وشخصُ محمد نفسِه يجسّد هذه الموافقةَ، هذا الاتّساقَ المطلق بين الإنسان وطبيعته العميقة. وكانت عائشةُ زوجُه تقول فيه إنّ «خُلُقَه القرآن» (مسلم). وفي حياته اجتذب هذا الصيتُ إلى المدينة أفقرَ الناس، أي أكثرَهم استعداداً لتلقّي رسالة الرحمة التي كان يبلّغها جبريلُ بلا عائق. فأقاموا على صفّةٍ حجرية خُصِّصت لهم قرب أبيات النبيّ، فلُقِّبوا «أهلَ الصفّة» (أهل الصفة). ويُقال إنّ التعبير العربي إحدى أصول مُشتَقّات لفظ «تصوف» : وكم الصورةُ آسرةٌ إذا عرفنا أنهم تمكّنوا من إشباع إيمانهم بقربِ محمد نفسِه، وأنّ حضورَ الشيخ وصحبةَ المريدين وحسنَ السلوك سيميّز الطريقةَ الصوفية.
ورسالةُ الإسلام الجوهرية رسالةُ مطلقٍ، وحدانيةٍ خالقة تكشف عن نفسها للإنسان بمحبّةٍ خالصة عبر تعدّد صورٍ ومظاهر. وبعبارة إريك جوفروا : «تتكشّف الكثرةُ تدريجاً من الوحدة الإلهية، بتعاقب تجلّياتٍ تتّخذ أشكالاً لا حصرَ لها»1. وبعيداً عن نوعٍ من الشكليات الجامدة، تطرح الفكرةُ عالَماً يقوم بفضل هذا «الخلق المتجدّد بلا انقطاع» : إلهٌ واحد، لكنّ أسماءَه وصفاتِه ومظاهرَ خلقه اللامحدودةَ، التي يذكرها القرآنُ آياتٍ، تتيح تجدّداً دائماً. وكلُّ شيءٍ يُدار على مبدأ الإحياء هذا : فدينُ الأصول يجعل نفسَه بدوراتٍ بيّناً لكلّ إنسان، ويكشف وجهاً من الإلهي يصير محسوساً ما وراءَ، أحياناً، كلِّ أنواع السياقات الثقافية. والأنبياءُ أنفسُهم هم من تقع بهم هذه الكشوفات، حتى محمدٍ الذي يلخّص مضمونَها. ولهذا يُسمّى مجموعُ انبثاقات الإلهي في الأرض «النورَ المحمدي» (النور المحمدي)، كما تدلّ هذه الرواية : «أخذ اللهُ قبضةً من نوره فقال لها : كوني محمداً !»
ورثة النبيّ
وإذا قبضت شخصياتٌ على هذا «النور المحمدي» وعكسته، فلأنّ هذه المِنّةَ الموهوبةَ لرجلٍ تتحقّق، على مبدأ الإحياء الدائم نفسِه، على نحوٍ خاصّ. وسيكون محمدٌ أُسوةَ تحقيقٍ روحي ممكن. وقد بلغ هذا التحقيقُ في حالته درجةً من الإتمام الكلّي، بفضل «المناجاة» التي كانت بينه وبين جبريل وتجربتِه نفسِها، لا سيّما «إسرائه الليلي» حيث رُقِّي، في ليلة وجدٍ، إلى السماوات وأُخِذ من مكة إلى القدس ثم، عبر الأفلاك السماوية، إلى عتبة الحضرة الإلهية.
فنلتقي هنا بخصائص الطريق العرفاني : ترقٍّ إيقاعيّ عبر مقاماتٍ ومنازلَ روحية، وإدراكٌ خاصّ للزمن والمكان. وسيكون عظماءُ أولياء الإسلام من لا سلطانَ للتوالي عليهم : يختزنون جهاتِ الفضاء في نقطةٍ واحدة، ورسخوا نهائياً في الآنية، فيظهرون في كلّ مكانٍ وزمانٍ حضورَهم إلى جانب مريديهم. فالولايةُ، على مثال ما عاشه محمد، ستمحو الزمنَ والمسافة.
وبين أهل الروحانية، سيكتم بعضُهم ولايتَه أو، على الأقلّ، درجةَ تقدّمه، وراء حجابِ سلوكٍ غريب سيُسمّيهم «أهلَ الملامة» (ملامتي). وآخرون سيُجذَبون في الله (مجذوب)، مغمورين في نوعٍ من الوجد يكون غالباً نهائياً، يجعلهم خارجَ الأعراف الاجتماعية المعتادة. وآخرون أخيراً، بلغوا درجةً رفيعةً من التحقيق، سيرثون نفحاً و«سرّاً حميماً» (سرّ)، وأحياناً الإذنَ الإلهي (إذن) لنشره حولهم. وهكذا ستتشكّل حول هؤلاء المشايخِ الطرقُ الصوفية الكبرى التي ترجع، قدراً، من مؤسّسيها بالنسب إلى النبيّ نفسِه.
وهذا الكونُ المركَّب، الذي تتدفّق فيه البركة، سيكوّن المجتمعاتِ المسلمة وفق أشكالٍ من الأدب الروحي تدهشنا أحياناً. لكنّ الفكرةَ أنّ كلَّ حياةٍ إنسانية مقدَّسة، لقابليّتها أن تأويَ نصيباً من المنّة الإلهية. وحقيقةُ الولاية ذاتُها عسيرةُ الإدراك. «أولياءُ كثيرون» يكتب فوزي سكالي «تلقّوا سرَّ المعرفة دون أن يؤذَن لهم بنقله. وأكثرُهم مجهولون لدينا وخاملون كلّيّاً، حتى وإن التقيناهم وجلسنا إليهم ؛ فما لم نكن في حال الوعي نفسِها التي لهؤلاء الأولياء لا نقدر على كشفهم»2.
وجوه الولاية
فوجوهُ الولاية إذن متعدّدة. لكنّها كلَّها تجد أصلَها في تمجيد النبيّ، من هذا الأمر القرآني : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب، 33:56). وسيلاحظ تيتوس بوركهارت أنّ «الصلاة أو إفاضةَ النِّعَم التي يغدقها الله على النبيّ ليست عند الصوفية سوى إشعاعِ الذات الإلهية الذي يسيل أزليّاً في الكون، ومحمدٌ خلاصتُه. فطلبُ صلاة الله على النبيّ هو إذن الموافقةُ للفعل الإلهي والمشاركةُ فيه عمداً ؛ ولهذا يؤكّد التقليدُ أنّ من صلّى على النبيّ استجلب صلاةَ الكون كله»3.
فهكذا يُفسَّر العلاقةُ المميّزة التي سيقيمها أولياءُ المسلمين مع محمد. وما عدا الرؤى والأحلام، ستتنوّع صورُ هذه العلاقة : فسيدرك بعضُهم «النورَ المحمديَّ» حاضراً في كلّ كائن ؛ وبطريقةٍ أشدَّ مباشرةً، سيتلقّى أكثرُ مؤسّسي الطرق الصوفية ومشايخِها الأحياء منه، رغم بُعد القرون، أنواعاً من الصلوات والأذكار والوصايا. وفي هذه الحال يُعبَّر عن الرابطة كاملاً ضمن موافقةٍ تامّة للشريعة المقدّسة.
وهكذا في الطريقة التجانية تلقّى الوليُّ المؤسِّس، في ختام سلوكٍ طويل، زيارةَ محمدٍ خلال خلوةٍ في البرّية. وقدّم نفسَه له على أنه صار من يومها مرشدَه الوحيد. وستطبع هذه البصمةُ النبوية أورادَ الطريقة الكبرى، مثل «جوهرة الكمال» (جوهرة الكمال) التي أملاها النبيُّ على الشيخ يقظةً.
والأمثلةُ وافرة، والأهمُّ أنها تعبر الزمن. ففوزي سكالي يروي لقاءَ الوليّ المغربي سيدي الحاج عباس القادري البوطشيشي (1890-1972) بالنبيّ محمد. وخلال خلوةٍ روحية «رأى كرةً مهيبةً من نورٍ تقترب منه. فبقي ساكناً دون أن يتفاعل مع هذه الظاهرة غيرِ المتوقّعة كلّيّاً. وازدادت الكرةُ شدةً وأخذت شكلاً إنسانياً. ورأى سيدي الحاج عباس أنّه النبيُّ محمد ﷺ وأضاف : “اقترب مني حتى ظننتُ أنّ لحيتي اشتعلت ناراً ! كأنّ لحيتي مشتعلةٌ نوراً… واقترب ثانيةً فرأيتُ خاتمَ النبوة مكتوباً على كتفه. ومن يومها بقينا ساعاتٍ في اتصالٍ : حدّثني عن جملة أشياء وبلّغني عدّةَ أذكار !”» (لقاءُ القلوب وجهاً لوجه). وميزةُ روايةٍ كهذه أنها تلامس سلوكياتٍ روحية معاصرةً كلّيّاً. وهنا أيضاً تشكّل البصمةُ النبوية علامةَ صدقٍ حقيقية، تؤيّدها شدةُ الأحوال الروحية وإخلاصُها لدى المريدين الذين سيرثونها.
وفي شأن الطرق الصوفية دائماً، لن يكون العهدُ الذي سيربط المريدَ بمرشده، في نهاية المطاف، سوى تجديدِ ذلك المُبرَمِ بين النبيّ والمؤمنين بالحديبية. ويذكر القرآنُ هذه الإشارةَ الآسرة : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح، 48:10). ويتبادر إلى الذهن ذلك العهدُ الآخر، آخذاً هذه المرة بُعدَ حدثٍ كوني، حيث سأل اللهُ ذريةَ آدم : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فأجاب كلُّ إنسانٍ في الأزل : ﴿بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾ (الأعراف، 7:172).
رسالة الأولياء
فإمكانيةُ الولاية، كما رأينا، تعبّر عن إفاضة مِنّةٍ إلهية تعبر بلا انقطاعٍ وبأشكالٍ متعددة الزمنَ والمجالاتَ الثقافية. ولأنّ هذه الإفاضةَ، باعتبارها عطيّةً، داخلةٌ في تصميمٍ إلهي، فهي تلعب دوراً دقيقاً في الظروف التي تتجلّى فيها. ففي حال الولاية نحن قريبون جداً من السرّ الإلهي حتى تُتَّخَذ كلُّ الاحتياطات ليكون نزولُ المقدّس على الأرض منضبطاً ويعملَ بكلّ التؤدة التي تفرضها الشروط المحيطة. وهكذا يُنسَب إلى سرّوري، شيخِ الجنيد الكبير، القولُ التالي : «ما أطلع اللهُ الأولياءَ إلا على أمثالهم أو على من يريد أن ينفعهم بهم ؛ ولو كشفهم للخلق لوجب على كلّ مسلمٍ أن يقتديَ بأقوالهم وأفعالهم.»
وعبّر إميل درمنغم على نحوٍ مؤثّرٍ جداً عن دور الفقير (حرفياً «المحتاج») الذي، واعٍ بفقر فرديّته الذاتية، واعٍ بأنّ وجودَه مستعارٌ من الحقيقة الإلهية وحدَها (الحقّ)، متحرّراً من أسر النفس، جعل من العبودية (عبودية) لربّه (أي لنصيب الإلهي فيه) أسلوبَ حياةٍ وسلوك : «متحرّرٌ من رباط العالم ومن رباط نفسه، لا من جمال العالم ولا من “ذاته” الجوهرية، بل مما هو نسبيٌّ ومحدودٌ وسلبيٌّ وفانٍ في العالم وفي “النفس”، ينظر الفقيرُ بعينين متجدّدتين إلى عالَمٍ محوَّلٍ يكون فيه الوليُّ، حرفياً، خميرةً تُنهِض، وملحاً يمنعُ التعفّن، ونَفَساً يحول دون انهيار الكون تحت ثقله الذاتي»4.
فنفهم حينئذٍ ضرورةَ، في كلّ العصور، إشعاعِ هذه الشخصيات الاستثنائية الدائم. فكما أنّ النبيَّ محمداً جسّد التوازنَ الكونيَّ الكامل، يصيرون «القنواتِ» التي يواصل بها تدفّقُ الخلق نزولَه في العالم على نحوٍ لطيف. «الفقراءُ» كان يعلن القشيريُّ «خاصّةُ الأسرار الإلهية ؛ يجذبون حمايةَ الله إلى الخلق وبهم تنال المخلوقاتُ رزقَها». وكانت هذه الفكرةُ ستبدو لنا بعيدةً ويصعبُ الوصولُ إليها لولا قرينتان على الأقلّ تذكّراننا بمعاصرتها وأهميّتها : أولاً، كما رأينا، آثارُ الإلهي في الأرض تتغذّى بديناميتها الذاتية، أي بالتسليم بأنّ الأولياء إن وجِدوا فما زالوا موجودين. ثانياً، إذا عطّل مجتمعٌ إنسانيٌّ رابطتَه الطبيعية بالمقدّس، تكيّف الرحمةُ الإلهية (وهي إحدى أهمّ صفات الله) إشعاعَها مع أشدّ الظروف سوءاً. وهذا صحيحٌ بخاصّةٍ في الغرب الحديث، ذي القيم المنزوعةِ القداسةِ على نحوٍ استثنائي.
واقعٌ حيٌّ دائم في الغرب
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، شهد حدثان، بقدر اللاَّتوازن، انفتاحَ التصوف على أوروبا، وقد واكب كلٌّ منهما الشروطَ السوسيولوجية والثقافية.
أولاً، سيساهم غربيّون متحسّسون لخطورة الوضع في نشر الطريقة الشاذلية في أوروبا، انطلاقاً من مستغانم في الجزائر الملحقةِ حينها بفرنسا. وهناك كان يشعّ حتى 1934 الشيخُ أحمد العلوي (الذي ذاع صيتُه بكاتب سيرته الإنجليزي مارتن لينغز). وكان يحمل بصمةَ الأولياء «العيسويّين» (عيسوي)، مؤيَّدةً بملامح وجهه نفسِها وكذلك بسلسلةٍ كاملة من الرؤى والكشوفات الروحية. ولا يسعنا إلا أن نربط بين هذا النمط من الولاية، الملائمِ خاصّةً للسياق الغربي، والجذبِ القويّ الذي مارسَه في فرنسا وأوروبا.
أمّا الحدثُ الثاني فيأتي من المغرب، وهنا أيضاً بفضل مجموعةِ شروطٍ أتاحته. منها ما يتعلّق بخصوصية المملكة الشرّيفة نفسِها : أرضُ تقليدٍ، حيث تغذّت الرابطةُ بين المجتمع والمقدّس عبر القرون من احترام أديان التوحيد ومبادئِ الاعتدال والحوار والتسامح التي يتشبّع بها القرآنُ ومثالُ النبيّ. وولّدت روحانيةٌ متوازنة منذ القرون الوسطى إسلامَ مشايخ التصوف العظام، الذين سينير تعليمُهم العالمَ المتوسطيَّ كلَّه. وفي مقالٍ للصحافة المغربية تشهد زكية زوانات على هذا الدينامو، ردّاً على الأفكار المسلَّمة عن تقوًى باليةٍ رجعية : «أولياءُ المغرب» تكتب «ليسوا أولئك المرابطين المدفونين تحت قبابٍ بيضاء، أماكنِ مفضّلةٍ لشعبٍ خرافيّ، يصفهم أدبٌ مشوِّهٌ متعطّشٌ للإكزوتيسية»5.
واليومَ تشعّ الطريقةُ القادرية من المغرب الشرقي، حيث حمزة البوطشيش، حفيدُ الوليّ المؤسِّس عبدِ القادر الجيلاني المباشر، هو وارثُ السرّ الروحي (سرّ) ومعه الإذنُ الإلهي (إذن) لنقله. والطريقةُ القادرية البوطشيشية، التي كانت مقتصرةً منذ أجيالٍ عدة، ككثيرٍ من الطرق الصوفية في العالم، على نشر بركةٍ معيّنة بين مريديها، عادت نحو سنوات 1940-1950 طريقةً «حيّةً» : أي طريقةً تتدفّق فيها المنّةُ الدائمة التي يحملها المرشدُ الحيّ على من ينتفع بها.
ولا يقدر على القيام الكامل بمهمة الحفاظ على توازنٍ ما للعالم إلا طريقةٌ كهذه، وهي لذلك ستتميّز بمرونةٍ عظيمة في التكيّف مع الشروط الإنسانية الراهنة. «إذا وجّه العارفُ سيدي حمزة، المرشدُ الحيّ للطريقة القادرية البوطشيشية، نظرَه نحو فرنسا وأوروبا منذ 1990، فلأنّ عدداً منّا هنا كان ينتظر هذا النظرَ ؛ فطلبٌ آكِدٌ إذن رأس هذا المجيء»6. وهذا يؤكّد تماماً تلك الحكمةَ الأخرى القائلة إنّ «الأولياء يلبسون ثيابَ عصرهم». فهنا تتجدّد الطريقةُ المحمدية وتتحقّق، كما فعلت منذ بدء الأزمان. وهكذا تصير، في زمنٍ تُرافق تسارعَ العولمة فيه أقسى التشنّجات، جسراً روحياً بين المشرق والمغرب.
وكان النبيُّ قد قال يوماً :
«أيراني أُرِّي إخواني ؟»
«لكنّا هنا يا نبيَّ الله !» أجاب أصحابُه.
«لا، أنتم أصحابي. وإخواني الآتون بعدي، يحبّونني ويؤمنون بالله ورسولِه دون أن يكونوا قد رأوني قطّ.»
بقلم فريدريك تيسييه.
توجيه ببليوغرافي
- مارتن لينغز، النبيّ محمد : سيرته بحسب أقدم المصادر، Seuil، 1986.
- محيي الدين ابن عربي، حكمة الأنبياء، Albin Michel، coll. Spiritualités vivantes، 1974.
- ابن إسحاق، محمد (مجلدان)، Al Bouraq، 2001.
- إميل درمنغم، محمد والتقليد الإسلامي، Seuil، coll. Microcosme-Maîtres spirituels، 1955.
- الحاج نصر الدين دينه والحاج سليمان بن إبراهيم، حياة محمد، Studio Editions، 1990 (ط 1: 1918).
- البخاري، الصحيح (ترجمة فرنسية متوفّرة).
- أقوال النبيّ، ترجمة سيسك يوسف، Sindbad-Actes Sud، 1997.
- أبو الحسن علي الندوي، حياة الأنبياء، éditions Universel، 1999.
- حميد الله، نبيّ الإسلام (مجلدان).
- مونتغومري واط، محمد في مكة (ج 1)، محمد في المدينة (ج 2).
- ج. دو مومبين، محمد.


النبيّ محمد، لمارتن لينغز
للمزيد
Footnotes
-
إريك جوفروا، «كونية الإسلام : وحدة وكثرة»، محاضرة باليونسكو، كانون الثاني 2000. ↩
-
فوزي سكالي، لقاء القلوب وجهاً لوجه، éditions du Relié. ↩
-
تيتوس بوركهارت، «صلاة ابن مشيش»، في رموز (Symboles)، Archè Milano. ↩
-
إميل درمنغم، حياة أولياء المسلمين، Sindbad. ↩
-
Le Matin du Sahara et du Maghreb، 2 تموز 1999. ↩
-
ج.-ك. ميفر، مقدمة لقاء القلوب وجهاً لوجه، Relié. ↩



