المحن النبوية (٢/٢) : نضج النفوس
المحتويات

وكما يكتب أبو سعيد الخرّاز : «علامةُ الصدق أن تكون في العزّ والذلّ سواءً». أي إنّ النفسَ تُخلَّى لتصير موضعَ تجلٍّ أنقى للرسالة. وهذا الانقلابُ، من المهانة العامّة إلى الرفعة السماوية، يُظهِر أنّ المحنة ليست حرماناً من الأهلية بل أمَّ ارتقاء.
رفض عروض قريش
وتتجلّى المنطقُ نفسُه في مكة، حين حاول زعماءُ قريش، أمام تقدّم الرسالة الذي لا يُقاوَم، أن يُبطِلوا عمقَها الثوري بعرضِ مساومة : عرضوا على النبيّ المُلكَ وجمعَ الأموال والزواجَ من أعرق نساء مدينتهم، شرطَ أن يتخلّى عن دعوته. وهذا المشهدُ، المرويُ في المصادر الكلاسيكية للسيرة، تُسلِّط الضوءَ على المواجهة بين مفهومين للسلطة : من جهةٍ السلطةُ الدنيوية القائمةُ على وجاهة النسب وإجماع القبيلة وتكديس الأموال ؛ ومن جهةٍ أخرى السلطةُ الكاريزماتية القائمةُ على الوحي والتفويض الإلهي.
وأجاب النبيُّ بالصيغة الشهيرة : «واللهِ، لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شمالي على أن أتركَ هذا الأمرَ ما تركتُه حتى يظهرَه اللهُ أو أهلكَ دونه.»
ويوضح هذا الرفضُ الطبيعةَ الحقيقية للسيادة الروحية : لا تُقاس بالعروش والألقاب، بل بالوفاء المطلق للرسالة الموكولة من الله.
وهكذا، حيث نال سليمانُ ملكاً فريداً بعد محنة تجريدِه، ظهرت في محمدٍ النهايةُ القصوى للتجريد برفضه إقامةَ رسالته آلةَ سلطةٍ زمنية. ولم تكن جائزتُه ملكاً أرضياً بل الرفعَ إلى المقام المحمود الذي يتسامى على كلّ سيادةٍ ويجعله الشفيعَ الكونيَّ يومَ القيامة. وهذه الرفعةُ تعلّم الانتقالَ من الملكية الأرضية إلى الملكية الميتافيزيقية، مؤكّدةً أنّ جوهرَ الرسالة قيادةُ النفوس لا السيادةُ على الأجساد.
نضج النفوس
وإذا كانت القصصُ النبوية تُلقِّننا التربيةَ الإلهية التي تشكّل المختارين، فهي توضح أيضاً موقعَ تابعيهم ومسؤوليّتَهم. لأنّ المحنةَ التي تلمس حاملَ السرّ (السرَّ الروحي) لا تقتصر على مساره وحده : بل ترتدّ على الجماعة كموجةٍ تختبر صلابةَ الروابط وتكشف استعداداتِ القلوب الباطنية. وهذا الصدى ليس صدفةً بل مقصودٌ، لأنه يصير مسرحَ عملٍ جمعيّ للتنقية والوعي.
فتعمل المحنةُ كمرآةٍ تعرّي الأوهامَ وتهشّم الأمنياتِ الوهمية. ويمكن قراءتُها أزمةً رمزية، أي لحظةً يتشقّق فيها النظامُ المعتاد للتصوّرات ويُجبِر كلَّ واحدٍ على إعادة تعريف موقفه. فيُدعى المريدون حينئذٍ إلى مساءلة صدق تعلّقهم : هل كانت علاقتُهم بحامل السرّ مؤسَّسةً على طلب الله أم على مجرّد الانتماء إلى إطارٍ مؤمِّن ؟ وتفتح هذه الهزّةُ الأولى فضاءً للحقّ.
وتذكّر لحظاتُ زعزعة الأمن هذه أنّ السرّ ليس مُلكاً مُكتسَباً أبداً، بل منحةً مجانيةً تقتضي استعداداً باطنياً. وتُجبِر المريدين على استعادة التزامهم وتحمّلِه وعياً ونضجاً. وهكذا تصير المحنةُ مدرسةَ نضج : تكوّن قلوباً أكثرَ يقظةً وصدقاً ومسؤولية. وبقطع الروابط اللاواعية والعادات، توضّح المحنةُ العلاقةَ بالنقل الروحي : لا يعود الوفاءُ وجدانياً أو اجتماعياً فحسب، بل يصير خياراً متجدّداً مدروساً ؛ وتتحوّل العلاقةُ عهداً باطنياً يلتزم فيه المرءُ البقاءَ في الطريق لا عن جِمود، بل بمحبّةٍ واعيةٍ حرّة.
وللمحنة أيضاً أثرُ تكثيف الحبّ لحامل السرّ الجديد : فإذ أدرك المريدون أنّ «المهر غالٍ» وأنّ السرّ أرفعُ منّةٍ قد ينالها إنسانٌ في هذه الأرض، أقبلوا عليه بحرارةٍ متجدّدة وثقةٍ أوفى. ويتجاوز هذا الحبُّ من يومها الميلَ الوجداني المحضّ ليصير رابطةً واعيةً، يحرّكها الاعترافُ بالوديعة الإلهية التي هو تجسيدُها.
وفي الحركة نفسِها يتكشّف حبٌّ متبادلٌ بين المريدين أنفسِهم : فعبورُ المحنة الواحدة يعمل كبوتقةٍ تذيب التوتراتِ الكامنة وتشدّ الروابطَ الخفيّة. وعبّر النبيُّ عنها في حديثٍ أساسي : «مثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم كمثَلِ الجسدِ الواحد : إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى» (البخاري، مسلم).
وهكذا لا تكتفي المحنةُ بتطهير كلِّ واحدٍ على حدة : بل تنسج بين المريدين نسيجَ تضامنٍ يصير فيه الألمُ مقسوماً والفرحُ مشتركاً. وهذه الأخوّةُ، الممتحَنةُ في العبور، تغدو علامةً أنّ الجماعة ليست مجرّدَ اصطفاف أفراد، بل جسدٌ حيّ تسري فيه نفحةٌ واحدة.
وفي الختام، تقدّم المحنُ المرويةُ في التاريخ المقدّس نفسَها جواهرَ حقيقيةً من التربية الإلهية، يهذّب تأمّلُها الذكاءَ الروحي ويوجّه النظرَ الباطني نحو الجوهري، فيفتح على فهمٍ أعمق للوقائع. فتصير محطةُ المحنة أمَّ نورٍ أوسعَ وهدايةً أخصبَ ووعيٍ أعظمَ بالمسؤولية المشتركة. ولهذا يحذّرنا القرآنُ بهذه الحكمة الأزلية :
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة، 2:216).



