طمأنينة القلب حين يفوّض العبدُ أمرَه كلَّه إلى الله

المحتويات

كلمة لسيدي منير القادري بودشيش، شيخ الطريقة، من الحلقة ٣٢٧ من سلسلة «ليالي الوصال»، بُثّت في ٤ أكتوبر ٢٠٢٦ على قناة مؤسسة الملتقى. أُلقيت بالعربية؛ والنص المرافق من إعداد التحرير.

مقتطف مدته ١٣ دقيقة و٦ ثوانٍ (٠٠:٤٥:١٠ ← ٠٠:٥٨:١٦). الفيديو الأصلي كاملًا: ليالي الوصال، الحلقة ٣٢٧ على قناة مؤسسة الملتقى.

نص التدخل كاملًا بالعربية

أُلقيت الكلمة بالعربية، وفيما يأتي نصُّها كاملًا من البسملة إلى التسليمة، كما تلفّظ بها سيدي منير. والمقال أدناه يعرض معناها وبنيتها.

«بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله الذي بيده ملكوتُ كل شيء وإليه ترجع الأمور، الذي جعل التوكلَ عليه راحةً للقلوب، والتفويضَ إليه سكينةً للمؤمنين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي علّم أمته حسنَ التوكل، وأرشدها إلى الثقة بالله مع الأخذ بالأسباب، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها السادة والسيدات، أيها الأحبة الكرام، يا أهل الوصال: إن من أعظم المعاني التي تبثّ السكينة في قلب المؤمن أن يعلم يقينًا أن الله سبحانه وتعالى وكيلٌ على كل شيء، وأنه إذا فوّض العبدُ أمرَه إليه اطمأنّ قلبُه إلى مَن بيده الأمر كلُّه. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. والوكيل هو القائم بأمر من توكّل عليه، الحافظ له، المدبِّر لشؤونه، المحيط بأحواله. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الوكيل على كل شيء، فليس في هذا الكون شيءٌ يخرج عن تدبيره، ولا حركةٌ تجري بعيدًا عن علمه وإرادته وقدرته.

ومن هنا كان تفويضُ الأمر إلى الله بابًا عظيمًا من أبواب الطمأنينة واليقين في الله تعالى؛ لأن القلب حين يعلم أن أمره بيده لا يبقى أسيرَ الخوف من المجهول، ولا القلقِ مما لم يقع، ولا الحسرةِ على ما فات.

أيها الأحبة: إن الإنسان كثيرًا ما يخاف من الأشياء؛ يخاف من المرض، ويخاف ضيقَ الرزق، ويخاف المستقبل، ويخاف تعطُّل الأسباب، ويحمل همًّا لا يستطيع التحكم فيه، وكأنه مطالَب بأن يدبّر كلَّ شيء بنفسه. لكن التوحيد يعلّمنا أن الأسباب لا تستقل عن مسبِّبها، وأن الأشياء لا تملك من أمرها شيئًا إلا بما أودع الله فيها من خصائص، تحت تدبيره سبحانه وتعالى وإرادته. ألم يجعل الله النارَ بردًا وسلامًا على سيدنا إبراهيم عليه السلام؟ ألم يجعل البحرَ طريقَ نجاة لنبيه موسى عليه السلام وقومه؟ فالأسباب عظيمة بقدر ما أودع الله فيها من النفع، لكنها لا تستقل لحظةً واحدة عن الله وعن إرادته سبحانه وتعالى.

التوكل، أيها السادة والسيدات، ليس تركَ الأسباب ولا استسلامَ العجز، وإنما هو أن تأخذ بالأسباب وأن تعلم أن النتيجة بيد مسبِّب الأسباب. التوكل أن تجعل قلبك متعلقًا بالوكيل سبحانه لا بالوسائل. اعمل واسعَ وخذ بالأسباب، ولكن لا تجعل قلبك أسيرًا لها. اجتهد في طلب الرزق ورفع الظلم، كن منتجًا فاعلًا في مجتمعك، لكن لا تعتقد لحظةً أن رزقك ونجاحك بيد الناس: بيد الله سبحانه وتعالى. «اعقِلْها وتوكّل على الله» كما جاء في الحديث. اعمل للمستقبل، ولكن لا تجعل خوفَ المستقبل يسرق منك طمأنينةَ حاضرك. ابذل جهدك ثم فوّض أمرك إلى الله؛ فما كتبه الله لك لا يفوتك، وما لم يكتبه لك لن تناله بقوة الخلق جميعًا. في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أنه لو اجتمعت الجنُّ والإنسُ على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».

وقد رُوي عن العلامة الصوفي الحسن البصري رحمه الله في معنى التعلق بما ينفع: «لما علمت أن رزقي لا يأخذه غيري اطمأنّ قلبي، ولما علمت أن عملي لا يعمله غيري اشتغلت به وحدي». وهي كلمة عظيمة في التربية: أن يطمئنّ القلبَ فيما لا يملك له نفعًا ولا ضرًّا، وينشغلَ بما له إليه سبيل، ويفوّضَ ما وراء ذلك كله إلى المولى عز وجل.

أيها السادة والسيدات: في مسيرة الطريقة القادرية البودشيشية الأصيلة الصحيحة، مرّت علينا بعد وفاة شيخنا ووالدنا العارف بالله مولاي جمال الدين قدّس الله سره محنةٌ لم تكن سهلة، وكان من شأنها أن تختبر صدقَ الصحبة، وثباتَ القلوب، ووفاءَ المريدين لوصايا شيوخهم، وأن تختبر قيمَ الوفاء والإخلاص للعهد، وأن تختبر كذلك ثباتَ أسس الطريقة، من خلال إسقاط الأباطيل والمسارعة في نشر الافتراءات والدعاوى والأكاذيب. نسوا قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، حديثٌ صحيح رواه البخاري ومسلم. وأن التصوف كلُّه خُلق وكلُّه أخلاق؛ وأن التصوف التخلُّقُ بكل خُلقٍ سنيّ وطرحُ كلِّ خُلقٍ دنيء. هذا هو منهج السادة الصوفية ومشايخِنا في التربية الروحية والإرشاد إلى الله وحسن الأدب.

ويقول عبد الله بن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبَك وما أطيبَ ريحك، ما أعظمَك وما أعظمَ حرمتك؛ والذي نفسُ محمد بيده، لحرمةُ المؤمن عند الله أعظمُ من حرمتك: مالُه ودمُه، وأن لا نظنّ به إلا خيرًا». حديثٌ أخرجه ابن ماجه والطبراني، دليلٌ على أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة.

لكن حينئذ تمسّك الشرفاء والشريفات، والمريدون والمريدات الأوفياء، والمخلصون والثابتون داخل الوطن وخارجه، بما تلقّوه من مشايخهم من تربية ووصايا وإحسان وعرفان، وأحسنوا الظن بالله وفوّضوا أمرهم إليه، ولم يجعلوا اضطرابَ الأحوال سببًا لاضطراب القلوب، بل جعلوا من التوكل باعثًا على الثبات والوفاء والخدمة. فسارت أحوال طريقتنا المباركة على نهج المحبة ومواصلة العمل في هدوء وأدب وإخلاص، وفي ظل أبنائها الأوفياء، بفضل الله، يعملون بجدّ وتفانٍ في خدمة ملكهم ووطنهم، وفي صيانة ما ائتُمنوا عليه من سرّ الذكر الرباني المحمدي المأذون، بعيدًا عن الضجيج والقيل والقال، مؤثرين العملَ على الكلام، والثباتَ على الانفعال، وحسنَ الظن بالله على الاشتغال بما يفرّق القلوب. والحمد لله فقد أثمرت تلك الروحُ نتائجَ وإنجازاتٍ بارزة. وقد صدق أهل المحبة حين قالوا: «من يعتصم بك يا خيرَ الورى شرفًا، اللهُ حافظُه من كل منتقم». وهكذا يتعلم السالك أن العناية لا تعني غيابَ المحن، وإنما تعني أن يبقى القلب مطمئنًّا بالله وسط المحنة، وأن نجعل من المحنة منحةً ربانية، وأن يجد الإنسان في الشدة ما يقوّيه، وفي انغلاق بعض الأبواب ما يدفعه إلى أبواب أخرى يفتحها الله له من حيث لا يحتسب.

أيها الأحبة: إن كثيرًا من قلق الإنسان يأتي من محاولته أن يتحمّل ما ليس في طاقته: يريد أن يتحكم في النتائج وفي الناس وفي المستقبل وفي الظروف، وينسى أن فوق كل تدبير تدبيرَ الخالق البارئ سبحانه وتعالى الحنّان المنّان. ولذلك قيل: لا تظنّ أن تدبيرك لنفسك خيرٌ من تدبير الله لك. فإذا استقر هذا المعنى في القلب لم يعد المؤمن يعيش أسيرًا للقلق.

أيها الأحبة: إن من تمام التوكل أن نعرف أن العناية الإلهية لا تعني أن ننتظر الفرج دون عمل، بل إن من صدق التوكل أن يقوم الإنسان بما استطاع من واجبه، وأن يأخذ بالأسباب، وأن يبذل جهده في إصلاح نفسه وخدمة الناس وعمارة الأرض. وهذا المعنى نحن أحوجُ ما نكون إليه ونحن مقبلون في وطننا على أوراش كبرى وتحديات متزايدة فيها النفع لبلادنا، في هذا المغرب، المملكة المغربية الشريفة، في المغرب الصاعد الذي يحتاج إلى الجد والإتقان: فاستحقاقاتُ تنظيم كأس العالم ٢٠٣٠ تفتح مجالًا واسعًا للعمل والمسؤولية، وكذلك ترسيخُ الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية؛ وكلها تحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن التوكل لا يُعفي من العمل، وأن محبة الوطن تُترجم بالبذل والمسؤولية والإحسان في مواقع العمل. فليس من التوكل أن نتمنى الخير لبلدنا دون أن نسعى إليه، وإنما التوكل أن نبذل الوسعَ كله من موقعنا، ثم نفوّض الأمر إلى الله ونرضى بما يقدّره بعد بذل ما نستطيع.

أيها السادة والسيدات: هذه التربية التي تجعل المؤمن قادرًا على حمل المسؤولية وتحمّلها ثابتًا عند الشدائد، هذا ما جسّدته الطرق الصوفية الأصيلة المتصلة بأسانيدها عبر مسيرتها وتاريخها، وعبر وصاياها وأصولها الثابتة من الدين: جعلت من التزكية طريقًا إلى عمارة الإنسان، ومن الذكر باعثًا على العمل، ومن الطلب الأخلاقي أساسًا للعمل الصالح، ودعمَ مقوماتِ الحياة الطيبة وخدمةَ المجتمع، وفاءً للوطن وتشبّثًا بالثوابت الدينية والوطنية، في ظل إمارة المؤمنين، بعيدًا عن الغلو والخصومات والقيل والقال؛ لأن التصوف الحقّ لا يزيد المؤمن إلا تواضعًا وقربًا من الله ونفعًا وإحسانًا للخلق.

فاللهم ارزقنا صدقَ التوكل عليك، وحسنَ التفويض إليك، والثقةَ بحسن تدبيرك، وطمأنينةَ القلب بذكرك، ولا تجعل قلوبنا معلّقةً بالأسباب عن مسبِّب الأسباب. اللهم ارزقنا الجدَّ في العمل، والإخلاصَ في خدمة عبادك وبلادك، واجعلنا مفاتيحَ للخير نافعين حيثما كنا.

اللهم احفظ أميرَ المؤمنين جلالةَ الملك محمد السادس، وأيّده بالتوفيق والسداد، وألبسه لباسَ الصحة والعافية، وأقرّ عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، واجعله له قرةَ عين وشدَّ أزرَه بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، واحفظ سائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة. اللهم احفظ بلدنا المغرب، وأدِم عليه نعمَ الأمن والأمان والوحدة والاستقرار، واجعل بلادنا بلادَ الدين وراحةَ المحتاج والمسكين، ووفّقه لما فيه خير البلاد والعباد، وبارك في مسيرته التنموية، ووفّق أبناءه لما فيه صلاحه وازدهاره، واحفظ سائر بلاد المسلمين، وانشر رحمتك والسلم والسلام، وابعد عنا الحروبَ والصراعات في هذه الكرة الأرضية وفي عالمنا الذي نعيش فيه، واجعلنا من أهل السلم والسلام والتعايش والأمن والأمان.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمدٍ الذي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتُقضى به الحوائج، وتُنال به الرغائب وحسنُ الخواتم، ويُستسقى الغمامُ بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه في كل لمحة ونفسٍ بعددِ علمك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.»

يخاف الإنسان من المرض وضيق الرزق والمستقبل وتعطّل الأسباب، فيحمل همًّا لا يقدر على التحكم فيه، وكأنه مطالَب أن يدبّر كل شيء بنفسه. على هذا التشخيص ينبني تعليم سيدي منير القادري بودشيش، شيخ الطريقة، الذي ألقاه بالعربية في ٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في الحلقة ٣٢٧ من ليالي «ليالي الوصال» لمؤسسة الملتقى. والدواء له اسم: التوكل، تفويضُ أمر القلب إلى الله، ولخّصه العنوانُ المعلَن للمداخلة: «طمأنينة القلب حين يفوّض العبد أمره كله إلى الله».

الوكيل القائم بكل شيء

السند الأول: الاسم الإلهي الذي يدور عليه الحديث كله. تقول سورة الزمر (٣٩:٦٢): ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. والوكيل، يشرح التعليم، هو القائم بأمر من توكّل عليه، الحافظ له، المدبّر لشؤونه، المحيط بأحواله. والنتيجة مباشرة: ما دام ليس في الكون شيءٌ يخرج عن هذا التدبير، ولا حركة تجري بعيدًا عن علمه وإرادته وقدرته، صار تفويضُ الأمر بابَ الطمأنينة. والقلب الذي يعلم أين أمرُه ينفكّ عن ثلاثة أسر: الخوف من المجهول، والقلق مما لم يقع، والحسرة على ما فات.

الأسباب لا تعمل وحدها

يقطع التوحيد سوءَ الفهم الذي يغذّي القلق: الأسباب لا تستقل عن مسبِّبها. والأشياء لا تملك من أمرها إلا ما أودع الله فيها من خصائص. والأمثلة مأخوذة من ذاكرة القصص النبوي: النار التي صارت بأمر الله ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ على إبراهيم (الأنبياء ٢١:٦٩)، والبحر المنشقّ طريقَ نجاةٍ لموسى وقومه (الشعراء ٢٦:٦٣). السبب لا يقوم إلا بما أودعه الله فيه، ولا يستغني عن إرادته لحظةً واحدة.

خذ بالأسباب وفوّض النتيجة

يرفض التعليم قراءتين كسولتين للتوكل: فلا هو ترك الأسباب، ولا هو استسلام العجز. هو الأخذ بالأسباب مع العلم أن النتيجة بيد مسبِّب الأسباب، وأن يكون القلب متعلقًا بالوكيل لا بالوسائل. والوصية عملية: اعمل واسعَ في طلب الرزق ورفع الظلم، كن منتجًا فاعلًا في مجتمعك، ولا تعتقد لحظةً أن الرزق والنجاح بيد الناس. «اعقلها وتوكّل على الله»، يذكّر حديث الناقة عند الترمذي: عقلُ الناقة نصيبُ الإنسان، والثقة نصيبُ القلب.

ثم الحجة التي تقطع الوساوس: ابذل جهدك ثم فوّض أمرك إلى الله؛ فما كتبه الله لك لا يفوتك، وما لم يكتبه لك لن تناله ولو بقوة الخلق جميعًا. ويستشهد سيدي منير بقول المؤمن في سورة غافر (٤٠:٤٤) ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، ثم بوصية النبي لابن عباس (الترمذي ٢٥١٦): لو اجتمعت الأمة كلها على النفع أو الضرّ لما نفعت ولا ضرّت إلا بما كُتب؛ رُفعت الأقلام وجفّت الصحف. ويختم بكلمة الحسن البصري التي تصنع منهجًا: «لما علمت أن رزقي لا يأخذه غيري اطمأنّ قلبي، ولما علمت أن عملي لا يعمله غيري اشتغلت به وحدي».

محنة الطريق تطبيقًا عمليًا

هنا يأخذ التعليم منعطفًا غير مألوف: يغادر مقام المبدأ إلى مقام التاريخ المعيش. بعد وفاة سيدي جمال الدين القادري بودشيش قدّس الله سره، مرّت الطريقة القادرية البودشيشية بمحنة لم تكن سهلة: افتراءات ودعاوى وأكاذيب، اختبرت صدقَ الصحبة وثباتَ القلوب ووفاءَ المريدين لوصايا شيوخهم. وفي وجه ذلك يذكّر سيدي منير بعلامتين: قول النبي الذي رواه البخاري ومسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وحديث الكعبة عند ابن ماجه والطبراني: حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة البيت، مالُه ودمُه وحسنُ الظن به.

وجواب الأوفياء، في الطريقة وأبنائها «داخل الوطن وخارجه»، متسلسلٌ يفصّله الحديث: التمسك بما تلقّوه من الشيوخ تربيةً ومعرفة، وحسن الظن بالله، وتفويض الأمر إليه، وألا يتحول اضطراب الأحوال إلى اضطراب قلوب، وأن يصير التوكل باعثًا على الثبات والوفاء والخدمة. والنتيجة عند التعليم: الطريقة واصلت سيرَها في محبة وعمل وهدوء، بعيدًا عن الضجيج والقيل والقال، مؤثرةً العملَ على الكلام وحسنَ الظن بالله على الاشتغال بما يفرّق.

ولهذه القصة درسٌ يتجاوز سياقها. العناية الإلهية لا تعني غيابَ المحن؛ تعني أن يبقى القلب مطمئنًّا بالله وسط المحنة. أن تُتّخذ الشدة مصدرَ قوة، وأن يُقرأ في الأبواب المغلقة دفعٌ إلى أبواب أخرى يفتحها الله من حيث لا يحتسب.

داء التحكم

لماذا يعود القلق؟ لأن الإنسان يحاول أن يحمل ما ليس في طاقته: يريد التحكم في النتائج والناس والمستقبل والظروف، وينسى أن فوق كل تدبير تدبيرَ الخالق البارئ الحنّان المنّان. والقول الذي يحفظه الحديث يستحق أن يُذكر بنصّه: «لا تظنّ أن تدبيرك لنفسك خير من تدبير الله لك».

التوكل عملٌ

الحركة الأخيرة، وأكثرها مفاجأةً لمن يتصور الثقة بالله انكفاءً داخليًا: تُدفع بالعمل. فالعناية الإلهية لا تعني انتظار الفرج دون عمل. والتوكل الصادق يمرّ بالواجب المؤدّى، والأسباب المأخوذة، والجهد المبذول في إصلاح النفس وخدمة الناس وعمارة الأرض.

والتطبيق فوري: أوراش المغرب، من تنظيم مونديال ٢٠٣٠ إلى ترسيخ الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية، تحتاج رجالًا ونساءً تكون محبتُهم للوطن بذلًا ومسؤوليةً وإحسانًا في موقع العمل. فالتمنّي للبلد من غير سعي ليس توكلًا؛ أما بذل الوسع كله من الموقع ثم تفويض الأمر إلى الله والرضا بما يقدّره، فهو التوكل. هذه هي التربية التي حملتها الطرق الصوفية الأصيلة عبر تاريخها، يلخّص التعليم: التزكية طريقًا إلى عمارة الإنسان، والذكر باعثًا على العمل، والطلب الأخلاقي أساسًا للعمل الصالح؛ وكل ذلك بعيدًا عن الغلو والخصومات والقيل والقال، لأن «التصوف الحق لا يزيد المؤمن إلا تواضعًا وقربًا من الله ونفعًا وإحسانًا للخلق».

دعاء الختام

يُختم التعليم بابتهال: أن يرزق الله صدقَ التوكل وحسنَ التفويض والثقةَ بتدبيره وطمأنينةَ القلب بذكره، وأن يجعل السامعين «مفاتيح للخير نافعين حيثما كانوا». ثم يأتي، كما جرت العادة في هذه الليالي، دعاء المملكة المغربية: لجلالة الملك محمد السادس، ولولي العهد مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأسرة الملكية العلوية، وللسلم والتعايش على وجه الأرض كلها.

أخذُ الأسباب وبقاءُ القلب عند مسبِّبها: صيغة في سطر، وممارستها عمر. ولمزيد التعمق في الطريقة التي تعلّم هذا السلوك، تعرض صفحة الطريقة القادرية البودشيشية أصولَ التلقّي، ويطيل التعليمُ المجاورُ نفسَ الحديث عن كرامة المؤمن في المحنة في الكرامة والثبات. وتجيب الأسئلة الشائعة حول التصوف عن الخطوات الأولى.


كلمة لسيدي منير القادري بودشيش في ليالي الوصال رقم ٣٢٧ (مؤسسة الملتقى)، مداخلة بالعربية محدَّدة من ٠٠:٤٥:١٠ إلى ٠٠:٥٨:١٦. كُتب المقال عن التفريغ الصوتي، والنصوص منقولة بأمانة المعنى، والمراجع مدققة في بطاقة العمل.

الأسئلة الشائعة

ما التوكل؟

التوكل عند سيدي منير القادري بودشيش هو الأخذ بالأسباب مع العلم أن النتيجة بيد مسبِّب الأسباب: أن تجعل قلبك متعلقًا بالوكيل سبحانه لا بالوسائل. فليس تركًا للأسباب ولا استسلامَ العجز.

أيّ آية تؤسس الثقة بالله؟

قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٣٩:٦٢)، وقوله في سورة غافر: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٤٠:٤٤).

هل يُعفي التوكلُ من العمل؟

لا. يقول التعليم صراحةً إن انتظار الفرج من غير عمل ليس توكلًا: المؤمن يقوم بما استطاع من واجبه، ويأخذ بالأسباب، ويبذل جهده في إصلاح نفسه وخدمة الناس وعمارة الأرض، ثم يفوّض الأمر إلى الله.

ما الحديث الذي يصوّر الثقة بالله؟

وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس عند الترمذي (٢٥١٦): لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.