ذوق التجربة الروحية

المحتويات

« لمن كان مُعطىً أن يُنار من الداخل، يظهر الكون بيقينٍ باهرٍ لا يُقاوَم على أنّه، في تلك اللحظة ذاتها، في كُلّيّته كما في جميع أجزائه، عادلٌ كلَّ العدل.

أي دون الحاجة إلى طلب أدنى تفسيرٍ أو تبريرٍ خارج ما هو عليه بكلّ بساطة. فالوجود لا يكفّ عندئذٍ عن أن يكون مشكلةً فحسب، بل يبقى المرء مأخوذاً أمام بداهة الأشياء وفعّاليتها في استقامتها.

ولذلك لا توجد كلماتٌ قويّةٌ بما يكفي للتعبير عن كمال هذه التجربة وجمالها. فوضوحها يهب أحياناً إحساساً بأنّ العالم صار شفّافاً أو مضيئاً، وأنّه في بساطته مخترَقٌ ومنظَّمٌ معاً بعقلٍ أسمى. وفي الوقت نفسه كثيراً ما يحدث لصاحب هذه التجربة أن يحسّ الكون كلّه يتحوّل إلى جسده هو. فما هو عليه، وكلّ ما يحيط به، لا يبدو له ثمرةَ صيرورةٍ بل حضوراً ثابتاً. وليس الأمر فقدانَ هويّةٍ إلى حدّ النظر بعينَي الغير، بل حالٌ تعود فيها الوعيَ الفرديّ والوجودَ إلى منظورٍ يتّخذه في تلك اللحظة شيءٌ أوسعُ منه بما لا يُقاس »1.

التصوّف، أو الإسلام « الكامل »

أتنجح كلماتُ « صوفيّ » و« طريقيّ » و« عرفانيّ » في تسمية نمط التجربة التي نحن بصددها ؟ ولأيّ حيّزٍ من الواقع تعود التجربة الروحية ؟ وما علاقتها بالتقنيات المستعمَلة لبلوغها، وبمجّانية الحياة وسخائها ؟ تحاول العقائد الدينية والفلسفية الإجابة عن هذه الأسئلة بالتفكير في منهجيّة هذه التجربة ومراحلها. وأمّا ورثة إبراهيم فيربطون تجربتهم الروحية بالشريعة وبمحضر الإله الواحد الحيّ المحيي. ومن هذا المنظور يصل الإنسان إلى التجلّيات الإلهية، التي تُذاق عبر طاقاتٍ تنكشف له. غير أنّ الذات الإلهية فوق كلّ تعبير ولا تُدرَك إلا عبر منهجٍ سلبيّ يدفع كلّ صورةٍ من التحديد : ليس هذا، ليس ذاك. لكنّ الله نفخ مع ذلك من روحه في آدم، كما رُوي في القرآن (ص 71-72). وهكذا يُبقي الإسلامُ التأكيدَ دائماً على أنّ الإنسان، في أعماق طبيعته، « قادرٌ » على الله.

فالإسلام الذي يوصف عادةً بأنّه « صوفيّ » والذي صار يُسمّى في الغرب « تصوّفاً »، ليس في الحقيقة إلا الإسلام « الكامل »، أي الحامل لبُعدٍ خارجيّ وبُعدٍ داخليّ. وهكذا لا يمكن أن تقوم بين البعدين ثنائيّة : فـالحقيقة، جوهرُ التجربة الباطنية ذاته، والشريعة، القانون الديني، تُعَدّان جناحَي طائرٍ واحد. ولا يستطيع أحدٌ أن يطير بجناحٍ واحد، إذ كلٌّ من الجناحين ضروريّ.

وقد تأمّل الصوفية كثيراً في الآية التي فيها يسأل اللهُ ذراريّ البشرية الآتية في آدم الذي لم يُخلَق بعد : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (الأعراف 172). فأجابوا جميعاً : «بَلَى». وبهذا العهد الأزليّ بين النسل الآدميّ والله تعود هذه الملكة الفطرية لمعرفة الله، التي طبعها في أعماق النفس البشرية. والعلوم الأنثروبولوجية عاجزةٌ عن إعطاء تعريفٍ كاملٍ للإنسان، والمعايير المستعارة من اللغة أو العقل تثبت دائماً قصورَها. فإذا كان الإنسان قادراً على الله صارت التجربة الروحية الفعلَ الإنسانيّ بامتياز : فالله يكسِبنا ذاتيّتنا بلقائه ؛ الله يعطينا كيانَنا الحقيقيّ، ويبقى المرء كائناً ناقصاً ما لم يعش هذه التجربة.

وتأتي تقاليد الإسلام بروادع ضدّ الوهم المتربّص بمن انخرط في طريق معرفة الذات. فملكاتنا التخيّلية قد تطغى وتغمسنا في عالمٍ على النقيض تماماً من حالِ وعيٍ حقيقيّ بالواقع. لكنّ الوفاء للشريعة الموحى بها، والتبليغ والنصائح الآتية من الذين قطعوا مثل هذا السفر الباطن من قبل، يمكّنان من البقاء أبعدَ ما يكون عن قوى الوهم. ومن الجوهريّ البقاءُ متجذّراً داخل جماعة ؛ بل إنّ التقاءَ المرء بالتقاليد الأخرى إنّما يكون ببلوغه غايةَ تقاليده هو.

فالتصوّف ليس بأيّ حالٍ صنفاً من الدين الفائق أو الدين الموازي، وليس بتحقيق تلفيقٍ اعتباطيٍّ إلى حدّ ما يُبلَغ حقّاً إلى غاية الدرب. وخطأ بعض المستشرقين أنّهم أرادوا مهما كلّف ربطَ التصوّف بتقاليدَ أخرى، والبحثَ منهجيّاً عن مؤثّراتٍ خارجيةٍ عن الإسلام. فجعلوه مرّةً انعكاساً للفيدانتا ومرّةً تكييفاً للصوفية المسيحية، بينما أوّلُ صوفيٍّ في الحقيقة هو نبيّ الإسلام نفسه. وهكذا كانت الجماعة المسلمة الأولى جماعةً صوفية : فماذا يعني التصوّف إن لم يكن التبطّنَ المعيش للإسلام في أوفى احترامٍ للمراعاة الدينية ؟ وعبر التاريخ كلّه كان كبارُ الصوفية دائماً لا أفراداً ضالّين يكتفون بشعورٍ شعريّ أو جماليّ غامض، بل على العكس رجالاً ونساءً متعلّقين بعمقٍ بأوفى المراعاة وأدقّها للشرائع.

« الرقص » سنداً للتعليم

كلّ الأوجه المذكورة ترسم خطوطاً أولى للتصوّف بوصفه تجربةً روحيةً فردية، غير أنّ التصوّف يتجسّد قبل كلّ شيء، على الصعيد الجماعي، في ما يُسمّى الطرق، أي الطرق الصوفية. فكلمة الطريقة تعني عموماً « الطريق » وتدلّ خصوصاً على طريقة عيش الطريق الروحي. وفي مقاربةٍ أولى تشبه هذه الطرق الروابطَ المسيحية الثالثة كما كانت في العصور الوسطى، إذ لا يُتكلّم هنا عن أديرة ولا عن نذر عزوبةٍ وانسحابٍ من العالم. غير أنّ ثمّة قيامَ مركزٍ، موقدٍ روحيّ يسمّى « زاوية » أو « تكّيّة »، يتشكّل حول شيخٍ يجسّد وظيفةَ تقديم تعليمٍ حيّ معترفٍ به من سلسلةِ ناقلين تصعد إلى نبيّ الإسلام. ويجمع هذا المركز الروحي، في فتراتٍ محدّدة، المريدين الباحثين عن التحقّق الروحي المختارين بحرّيةٍ هدايةَ الشيخ، المجتمعين لأداء ممارساتٍ خاصّةٍ بالطريق.

وقد قيل أحياناً « تصوّفٌ إيرانيّ » أو « تركيّ » أو « مغربيّ »، لكنّ مثل هذه المفاهيم على نقيض طبيعة التعليم نفسِه. فلا ريب أنّ هناك صوفيّين إيرانيّين وأتراكاً ومغاربة، لكن لا سبيل إلى وجود تصوّفاتٍ « وطنيّة » بحدّ ذاتها. فالطريقة الروحية الخاصّة بطريقٍ صوفيّ مسألةُ مزجٍ دقيقٍ بين الممارسات المختلفة، وهي في آخر الأمر من شأن الشيخ الروحي الذي يمكن أن يكون له مريدون في أصقاعٍ مختلفة.

وتقدّم الطرق الصوفية تعاليمَ قوامُها أذكارٌ تُؤدّى بصوتٍ عالٍ أو خفيض، فرديّاً أو جماعيّاً. وتُتلى بإيقاعٍ خاصٍّ يعود إلى صورةٍ من « الرقص » تكون أحياناً تلقائيةً وأحياناً محفَّزة. والتنفّس والإيماءات والوقفات تطبع في الجسد اهتزازاً يُعاش فرديّاً لكنّه ذو دلالةٍ كونية، لأنّه يوافق قدرةَ الإنسان الذاتية على الاتصال بطاقةٍ كامنةٍ كانت حتى ذاك نائمةً في أعماق كيانه.

فعلى سبيل المثال، تركّز طريقة النقشبندية خصوصاً على الوجوه المتعلّقة بضبط التنفّس والنَّفَس. ولطريقة الجشتية علاقةٌ خاصّة بالآثار التي تُحدثها الموسيقى. وتقود طريقتا القادرية والشاذلية إلى أحوال وجدٍ تقع في مجالس أناشيد تُؤدّى في أغلبها دون آلات. وثمّة دائماً عنصرُ « رقصٍ » في التعليم بدرجةٍ أوضع أو أدقّ. والدراويش الدوّارون بلغوا أعلى درجات هذا الإتقان، لا سيّما في طقوس السماع، الأوراتوريو الروحيّ. ويمكن تقدير رمزيّة السماع على مستويين، كما الإنسان عالمٌ صغيرٌ على صورة العالم الكبير. فثمّة رمزيّةٌ كونيّة ورمزيّةٌ نفسيّة، يُدخَل في هذه الأخيرة البُعد الروحيّ المحض. والطقس موقوتٌ بإيقاعٍ ينتمي إلى الكون والإنسان معاً، ويشكّل سنداً ممتازاً للخروج من العالم المحكوم بالزمن وملامسة الأبدية. وهكذا في لحظةٍ معيّنةٍ من الطقس يُفترَض تجاوزُ الزمن، إذ يقع الرقصُ عندئذٍ في صمتٍ لا في موسيقى. وهو تعبيرٌ بالغ الإيحاء عن الدرب الموصِل إلى الاتحاد الروحي.

غير أنّ كلّ تقنيةٍ تثبت عجزَها دون عون الفضل الإلهي، الذي يمكّن الإنسان من تجاوز الثنائية إلى الوحدة الأولى. ومحبّة الله حاضرةٌ في النفس البشرية ؛ فإن استطاعت أن تعبّر عن نفسها على الصعيد الأفقيّ نحو قريبها، فعندئذٍ عبر قريبه يكتسب الإنسانُ القوّةَ اللازمة ليستعيد على الصعيد العموديّ خالقَه.

الله في كلّ مكان، فأين يوجد إذن ؟ في قلب من يدعه ينفذ فيه كلّيّاً ؛ وهذه الصفة بالذات هي حِكرُ الشيخ الروحيّ نفسه، الذي هو بابُ الوصول الممتاز إلى الإلهيّ.

إيفا دو فيتراي مييروفيتش

أقوالٌ مقتطعة من برنامج فرانس كولتور « L’autre scène ou les vivants et des dieux »، إنتاج وتقديم روبير أمادو، بُثّت في 16 تموز 1979 حول موضوع « التجربة الروحية ».

مجلس

للمزيد

Footnotes

  1. جاك مازوي (1909-1975)، « De la vie intérieure »، Cahiers du Sud. ↩