«الحكمة، أو الاعترافُ بالحبّ غايةً قصوى يُسعى إليها»

يبدأ بدءُ الحكمة بتساؤلٍ داخليّ : ما نواقصُنا ؟ ما اختلالاتُنا، قياساً إلى المركزيّ، الروحانية، ومعينَها الحبِّ الذي لا ينطفئ ؟

والأمر أوّلاً أن نعترف بوحدة الجنس البشري، وحدانيةِ الأصل. «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات 13). «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ» (البقرة 177).

غير أنّ مَن يقول وحدةَ الجنس البشري لا يقول البتّة تطابُقاً. فثمّة تنوّعٌ مشتَهى، كخطةٍ إلهية للناس. لأنّ الله، في قدرته وعلمه المحيطَين، كان يستطيع أن يجعلنا أمّةً واحدة، لكنه لم يفعل ؛ وهذا لا يعجز قدرتَه ولا حكمتَه.

ونجد إشارةً إلى ذلك في الآية 48 من سورة المائدة : «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ».

فتنوّعُنا، تنوّعُ الألسنة والثقافات والسمات الإثنية والأديان، خطةٌ إلهية. ومع ذلك هو ابتلاءٌ وعطيةٌ لا تُقدَّر.

ابتلاءٌ شاقّ حين نُطلق العنان لتضخّم الأنا والكِبر. وحينها، وايمُ الله، يصير هذا التنوّعُ مصدرَ نزاعات.

وبالمقابل، حين نُسحِر المخاوفَ ونُروِّض الهواجس، ونجعل العقباتِ موضعَ الواسطة واللقاء، يصير هذا التنوّعُ مصدرَ سعادةٍ لا تُقدَّر.

وعلى منوال الصوفيِّ الذي كان يقول : « يا ربّ، وسّعْ صدري لأستقبلَ خلقَك كلَّهم، وإلّا فَفُتَّهُ ليأخذَ كلٌّ منهم، وهو مُبَعْثَرٌ، قِطعةً منه »، هنا، ما وراءَ التسامح المجرَّد الذي قد يفضح موقفاً متعالياً متعطّفاً على المتسامَح به، ثمّة مكانٌ لمطلب حبٍّ عطائيّ، ثيولوجيّ، متوقّد.

وآيتان قرآنيتان تتكلّمان عن هذا الحبّ : «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» (آل عمران 31) ؛ «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» (المائدة 54).

وكان تيار دي شاردان يقول : « حين نكون قد استنفدنا مواردَ المدّ والريح وطاقةِ كلِّ ما يحيط بنا، سيبقى لنا أن نستقي من طاقة الحبّ، وهناك سنعيد اكتشافَ نارٍ ستلتهمنا جميعاً ».

ورابعةُ العدوية، التي صودفت وفي يدٍ شعلةٌ وفي الأخرى دلوُ ماء، قالت : « سأضرم الجنّةَ ناراً وأطفئ نارَ جهنّم، ليعبدَ الناسُ ربَّهم له وحده ». وألّفت قصيدتَها الشهيرة في الحبّين :

أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ : حُبَّ الهَوَىٰ … وَحُبًّا لِأَنَّكَ أَهْلٌ لِذَاكَا فَأَمَّا الَّذِي هُوَ حُبُّ الهَوَىٰ : فَشُغْلِي بِذِكْرِكَ مَنْ سِوَاكَا وَأَمَّا الَّذِي أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ : فَكَشْفُكَ لِيَ الْحُجْبَ حَتَّىٰ أَرَاكَا فَلَا الْحَمْدُ فِي ذَا وَلَا ذَاكَ لِي : وَلَكِنَّ لَكَ الْحَمْدَ فِي ذَا وَذَاكَا

وابنُ عربي، أعظمُ شيخٍ في كل العصور عند بعضهم، ردّد صداها :

لَقَدْ صَارَ قَلْبِي قَابِلًا كُلَّ صُورَةٍ … فَمَرْعًى لِغِزْلَانٍ وَدَيْرًا لِرُهْبَانِ وَبَيْتًا لِأَوْثَانٍ وَكَعْبَةَ طَائِفٍ … وَأَلْوَاحَ تَوْرَاةٍ وَمُصْحَفَ قُرْآنِ أَدِينُ بِدِينِ الْحُبِّ أَنَّىٰ تَوَجَّهَتْ … رَكَائِبُهُ فَالْحُبُّ دِينِي وَإِيمَانِي

وهذه الكليةُ للحبّ يجب أن تكون المنارَ الذي يهدينا، نحن المبحرين في هذه السفينة الكوكبية والذين لا نريد البتّة أن تُصابَ السفينةُ بعطب. بل نريد تحديداً أن تصلَ مرفأً أميناً، ميناءَ سلامٍ ركيزتُه العدل. ويجب أن يتبع العدلَ الحقيقيُّ العفوُ والمصالحة. فلا خيرَ من تطهير النفس من الضغينة الدنيئة، ومن تنقية القلب من كل الضغائن.

وكان عارفٌ من القرن الثالث عشر يقول : « قضيتُ حياتي أُسَوِّد بياضَ الصفحات لأنالَ العلم، وأدركتُ أنّ عليّ أيضاً أن أُطهّر سوادَ قلبي ».

وكدوّار الشمس الذي يتبع الشمس، تكون النفسُ الإنسانية نفسَها «إلهيّةَ الاتجاه» : تطلب الله. وأحياناً يغلبها الشكُّ، فلا تريد أن تترك اليقينَ للظنّ، ولا أن تفرَّ من قلق الساعة إلى سراب. فهناك أوّلاً عملٌ داخليّ هائل، فورانٌ حقيقيّ، ثم يصنع فضلُ الله ومعاونتُه الباقي، كما لاحظ الغزاليُّ : « قذفَ اللهُ في صدري نوراً جعلني أدرك أنّ… »

ولو كان يجب أن تكون ثمّة حكمةٌ، وروحانيةٌ، وتوجّهٌ للإنسانية في مطلع هذا القرن، فهو، بكثيرٍ من التواضع وكثيرٍ من الاحتراز، وكثيرٍ أيضاً من الحضور والشهادة، أن نقول إنّ النفسَ الإنسانية ليست مهانةً ولا منحرفة، إنها من الله، وثمّة طريقٌ يجب قطعُه. والمهمُّ أن نخطو الخطوة. فأعظمُ رحلةٍ تبدأ بخطوة.

غالب بن شيخ

مقتطفات من حوار، في اللقاءات المتوسطية حول التصوف، بين غالب بن شيخ (فيزيائي، مختصّ بالإسلام، كاتب) وفوزي سكالي (أنثروبولوجي، كاتب، مختصّ بالتصوف، مدير مهرجان فاس).

الدرب

صورة غالب بن شيخ

غالب بن شيخ

صورة فوزي سكالي

فوزي سكالي

لقراءة المزيد